الحضارة الإسلامية في خدمة الإنسانية

الحضارة الإسلامية في خدمة الإنسانية
المصدر: من إميل أمين
لا يستقيم الحديث عن دور الحضارات في خدمة المسيرة الإنسانية دون التوقف طويلا ومليا مع الحضارة الإسلامية التي ظلت أرقى حضارة إنسانية مدة تزيد على عشرة قرون، كما ذكر “وول ديورانت” وكما أشار إلى ذلك المفكر الفرنسي الكبير “جوستاف لبون”، صاحب كتاب “حضارة العرب”.

يتساءل الباحث المحقق والمدقق في قصص الإنسانية وأحاجي الكون: “ما الذي قدمته الحضارة الإسلامية إلى البشرية حتى تحتل مثل هذه المكانة الكبيرة في رحلة التطور البشري وبشهادة شهود عدول من غير الأجناس العربية ومن غير الذين يعتنقون الإسلام ديناً ومذهباً.

يخبرنا المفكر الإسلامي الكبير الراحل الدكتور “عبد الحليم عويس”، أن الحضارة الإسلامية خدمت الحضارة الإنسانية في رحلة تطورها من جانبين:

•الجانب الأول: أنها قدمت لها خلاصة الحضارات القديمة بأسلوب ملائم للعصر، مقرون بالشرح والتوضيح، ومقرون كذلك بالنقد والتجريح عندما يقتضي الأمر ذلك، فوجدت أوروبا بين يديها علوما ومعارف كانت قد عجزت عن استيعابها، وكادت الخيوط تنقطع معها، وحتى ولو كانت محفوظة في الكتب.

•الجانب الثاني: أنها تقف عند هذه المرحلة بل قامت بعمل عظيم غير مجرى الحضارات الإنسانية، وهو أنها وصلت معرفياً وكيفياً، وليس تراكمياً فقط، ما كاد يذهب وينقطع معه التواصل، وذلك عندما قامت بحركة إبداع شملت كل المعارف والعلوم، وجمعت بين التطورين الكمي والكيفي، وقدمت نظريات ومدارس فكرية وعملية، ومؤلفات تتلمذت عليها أوروبا ولعدة قرون.

ولعله بين يدي هذا المقام يعن لنا كذلك التساؤل: “هل كانت الحضارة العربية والإسلامية، حضارة تنفيذية فقط، حضارة كلام إنشائي وأحاديث طنانة رنانة، أم حضارة معرفة وعلوم وضعية وتطبيقية لم يعرفها الغرب إلا حديثاً؟ تخبرنا صفحات التاريخ بأنه في المساجد الكبرى وفي الحواضر الإسلامية كانت علوم الفيزياء والكيمياء والطب والفلك تدرس جنبا إلى جنب مع علوم الشريعة، واللغة العربية، بل كان أمراً جديداً على المستوى الإنساني أن يكون عدد كبير من علماء الشريعة، علماء في الوقت نفسه في علوم تطبيقية أخرى دون التفوق أو التعصب لعلم على علم، فكل العلوم الصحيحة تخدم الدين والدنيا معاً، إذا كانت وسائلها شريفة وأهدافها نافعة كريمة.

لم تكن علوم المسلمين التي ازدهرت في القرون الثلاثة (التاسع والعاشر والحادي عشر) قسراً في منافعها عليهم، بل ساهمت إنجازاتهم العلمية في ظهور عصر النهضة في أوروبا ولذلك يذهب عدد كبير من علماء الغرب إلى القول أنه لولا أعمال العلماء المسلمين الرائعة لاضطر علماء النهضة الأوربية أن يبدؤوا من حيث بدأ هؤلاء العلماء المسلمين ولتأخر سر المدنية العالمية لعدة قرون … ما الذي جاءت به الحضارة الإسلامية واعتبر فضل منها على البشرية؟ الثابت أن المسلمين جاءوا بمبدأ جديد في البحث هو مبدأ يتفرع من الدين نفسه، وهو مبدأ التأمل والبحث والذي بدأه المسلمون ثم مالوا بالاشتغال إلى علوم الطبيعة وبرعوا فيها، وهم الذين برعوا في علوم الكيمياء والطب والصيدلة، والهندسة والجبر، والفلك،. في هذا الصدد يحدثنا المستشرق الفرنسي الكبير “هنري لاوست”، في كتابه الثقافة الإسلامية: “إن وحدة الثقافة الإسلامية تقوم على أساس وحدة العقائد الإسلامية، وما كان الانقسام عند المسلمين إلا في الفروع، ومهما يكن من تأثير العنصر الديني في الثقافة الإسلامية، فإن الإسلام ليس فيه ما يمنع البحث العلمي، ولقد كانت اللغة العربية من أهم دواهي وحدة الثقافة بين المسلمين ومن أهم أسباب تفوق هذه اللغة هي أنها لغة القرآن الكريم الذي يجتمع المسلمون عليه”.

والخلاصة هنا أن العالم الغربي يدين بوجود الثقافة العربية وأن الطريقة العلمية الحديثة قدمها الإسلام للغرب، وأنه ليس هناك أدنى شك في أن روح البحث العلمي الجديد وطريقة الملاحظة والتجربة التي أخذت بها أوروبا إنما جاءت في اتصال طلاب الغرب الأوربي بالعالم الإسلامي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث