تسمح لي بهذه الرقصة؟

تسمح لي بهذه الرقصة؟

غادة خليل

رغم كثرة ما شاهدت من أفلام الأبيض والأسود و استيفان روستي و “تسمحي لي يا هانم بالرقصة دي”، لم اتمنى أن اشارك بالفعل أحدهم وألبي دعوته الا حين كانت الرقصة نفسها تجسيدا لأنشودة بحب الحياة يعزفها عجوز رشيق قرر أن يهزم هموم الشيخوخة ويوقف مرور الزمن ولو لساعات.

والحكاية ببساطة هي أن امهاتنا – نحن العرب – ما أن تبلغ الستين حتى يستسلمن لكوكتيل الضغط والسكر وخشونة الركبتين وضعف البصر وملازمة الفراش، وما أن يتقاعد اباؤنا من العمل حتى يتقاعدوا ايضا من الحياة، والنتيجة أن الشيخوخة في بلادنا اصبحت تعني – حسب القاموس العربي – اعتزال كل مباهج الدنيا والغرق في مستنقع الشكوى والقاء اللوم على الأبناء والأحفاد.

في اوروبا الأمر على النقيض تماما، وهنا في مدريد بالتحديد يبدو أن المقولة الشهيرة “الحياة تبدأ بعد الستين” جرى تعديلها لتصبح “الرقص يبدأ بعد السبعين”. يحدث هذا في أحد أهم المراكز الفنية بقلب العاصمة الاسبانية، وتحديدا بمركز “لا بوهيميا” الذي تحول إلى ملتقى لرجال ونساء من الجنسين تجمع بينهم سمة التقدم في العمر، إذ لا يقل اصغرهم عن ستين عاما بينما تجاوز الكثير منهم الثمانين.

طالما تفحّصت اناقتهم الفريدة، فالغالبية العظمى من الرجال يرتدون بذلاً تزينها ربطات العنق وأحيانا قبعات. أما السيدات فيخرجن في لباس راق وانيق وحلى متناسقة وجميلة بالفعل، لا تنسى ايا منهن المرور على مصفف الشعر والتجمل بالمساحيق والالوان البسيطة والجميلة في الوقت ذاته، بالضبط مثل ممثلي السينما في سنوات الخمسينات والستينات من القرن الماضي.

يأتي هؤلاء إلى المكان بملامح تكسوها “الرزانة” و”الجدية”، وما أن يبدأ عازف البيانو “خوان” في تقديم اولى مقطوعاته الجميلة حتى يتسابق الموجودون لاختيار اغانيهم المفضلة والرقص على ايقاعها فيشتعل المكان بحماس وصخب منقطعي النظير، واذا بالأجساد النحيلة التي هرمت تستعيد حيوية الشباب في مشهد مدهش.

الجميل أن المكان يعتبر مزيجا بين المركز الفني المتخصص في الموسيقى والفوتوغرافيا التي تميل نحو الحداثة والخروج عن المألوف وبين المطعم والمشرب الذي يقدم الوجبات الخفيفة لرواده من أصحاب هذه الفئة العمرية.

ولا يقتصر الأمر على الشيوخ او كبار السن، فهناك “اقلية شبابية” لم تتجاوز الاربعين بعد، لكنها – وهذا هو المدهش- اكتفت بدور المراقب المتأمل في وقار بينما يستسلم من تجاوز السبعين للضحكات التي تصدر من قلوب مفعمة بالحياة ترفض البيت الشعري العربي الشهير:

ليت الشباب يعود يوما… فاخبره بما فعل المشيب

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث