كما يروي المخبرون والحكواتية

كما يروي المخبرون والحكواتية
المصدر: سمير عطا الله

عام 2001 كتب غابرييل غارسيا ماركيز الآتي: “احتفلت أمي بعيدها الخامس والتسعين بحضور أبنائها الأحد عشر، وأربعة من أبناء زوجها، و66 حفيدا، و77 من حفدائهم، وخمسة من حفداء الأحفاد، ولم يحضر أولئك الذين لا نعرف عنهم شيئا”.

لا تعرف كيف يفاجئك ومتى؛ فهو غير ملزم بوحدة الزمان والمكان التي وضعها أرسطو. العكس. في روايته “حكاية موت معلن” يحدث القتل في النهاية لا في البداية. يطرح تفاصيل الجريمة والإعداد لها ويجعلك تتوقعها مثل جميع أهل البلدة. كل الإثارة في الكشف لا في التحزر. لا عقدة في الأمر كما في الأدب البوليسي ولا مفتش شرطة. العكس. البلدة كلها تعرف سلفا أن سانتياغو نصار سوف يقتل عندما يصل إلى الساحة، لكن أحدا لم يفعل أي شيء لمنع ذلك.

قال مرة إنه لا سر في عمله الروائي. تعلمت الفن في الصحافة. ما عليك سوى أن تروي الأشياء بصورة مباشرة كما يفعل المخبرون وكما يفعل الحكواتيون في القرى. هكذا يفعل المحقق في “مائة عام من العزلة”، التي نال عنها نوبل الآداب. واحتار يومها كيف يعد خطاب قبول الجائزة: “لو كانت جائزة نوبل للسلام أو للكيمياء لما كان عليك أن تعد خطابا. تتسلم الشيك وتمضي”.

وبعد نوبل أدرك أن حياته تغيرت: لا فقر بعد اليوم “لكن الشهرة شيء يدوم 24 ساعة في اليوم. ماركيز اليوم بعكس ماركيز الأمس، سوف يكون هو من يطارده الآخرون”. لعله كان أشهر أدباء الإسبانية في القرن الماضي. أو ربما عبر القرون منذ أن وضع سرفانتس “دون كيشوت” في القرن السابع عشر.

الكتابة ليست عملا سهلا، كان يقول. قرأ الأدباء الروس وكان “معمله” ويليام فوكنر، الذي يقول جميع أدباء أميركا اللاتينية إنه كان معلمهم أيضا. كما تعلم من جيمس جويس. وقد تعرف ماذا يعني بأن الكتابة ليست عملا سهلا عندما يقول إن إعداد “مائة عام من العزلة” استغرق 17 عاما. لكن ذلك نقله من كاتب مفلس ومشرد في باريس، إلى صاحب مؤلفات تباع بعشرات الملايين.

تعرفت إلى الأدب اللاتيني أوائل السبعينات، عندما كنت مأخوذا، كصحافي، بأحداث القارة وعذاباتها. وقرأت أولا بابلو نيرودا والأرجنتيني الساحر خورخي لويس بورخيس الذي لم يكف عن القول إنه تعلم السحر الروائي من “ألف ليلة وليلة”. واعتقدت أن أدب القرن العشرين، رواية وشعرا ونثرا، كان في تلك القارة، أما ماركيز فكان يقول إن موطن الآداب في القرن الماضي كان أميركا الشمالية.

اخترع ماركيز بلدة “ماكوندو” ليجعلها مسرح عالمه وعزلته. بلزاك كانت لديه باريس. ديكنز كانت له لندن. جويس كانت مدينته دبلن. دوستويفسكي نهل من نبع بطرسبرغ. محفوظ من القاهرة. ناس ومدن.

“الشرق الأوسط”
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث