خَنوع بجدارة

خَنوع بجدارة

يوسف ضمرة

من سمات الخَنوع، أنه مفصوم سيكولوجيا، وهو يعرف ذلك. لكنه لا يجد وسيلة أخرى لصعود الجبل. لا مؤهلات ثقافية ولا علمية ولا قيَميّة.

الخنوع يمتلك رأسا مقفلة، لا يوجد فيها غير ثقب واحد لحشو الأكاذيب والأوهام في دماغه، حتى يتشكل هذا الدماغ وفق رؤية”أصحابه” ومالكيه. وهو يدرك انه يتلقى الأكاذيب والأوهام بوصفها حقائق، والمطلوب منه هو أن يقوم بالدور نفسه على آخرين أقل شأنا وأكثر استعدادا للخُنوع. ويفعل.

وسائل إعلام عربية مثلا، ارتضت لنفسها هذه المكانة وهذا الموقع وهذه الصفة، فاستحقتها بجدارة. لم يكن بعيدا الزمن الذي كنا نعلم أن الأمن في كثير من دول العالم العربي، يكتب مقالات ويرسلها بالفاكس إلى بعض كتاب المقالات في بعض الصحف العربية. وهؤلاء أحيانا لا يقرأون ما هو مكتوب ومرسَل إليهم، فالمهم هو الرضا الأعلى، والغنيمة، لأنهم كتبة خُنُع.

بالطريقة نفسها تتلقى وسائل إعلام عربية صيغة الخبر من استخبارات دولة عظمى أو أكثر، لتبثه إلى الناطقين بالعربية. وعلى الطرف الآخر تقوم وسائل الإعلام هذه”الخَنوع” بصياغة خُنع آخرين، ممن يظهرون مراسلين وشهود عيان وما شابه ذلك.

هي لعبة لا تتوقف. مستمرة من الأعلى إلى أسفل، ومن الأسفل إلى أعلى.

أما كيف يصبح شخص ما خَنوعا وآخر لا، فيعود إلى مناهج التربية والتعليم المدرسية جزء كبير من الأسباب والدوافع. فالمعلم رب الأرباب” قف للمعلم وفّهِ التبجيلا/ كاد المعلم أن يكون رسولا”. وعلى الرغم من دور المعلم الريادي والتنويري، إلا أن قسما من هؤلاء ارتضى لنفسه صفة”الخَنوع” لصعود الجبل، في مجتمع تتنحى فيه المعايير والقوانين وتكافؤ الفرص جانبا، لتحل محلها معايير ذاتية وقبَلية وجهوية وسلطوية.

والخنوع شخص مرتعب على الدوام، لأنه يدرك أن حياته تتماهى مع وظيفته ودوره. فلا قيمة إنسانية له من دون هذا الدور وهذه الوظيفة. ومن هنا يظل الرعب ديدنه الرئيس، خوفا من انتهاء وظيفته، ما يعني انتفاء وجوده حكما وبالضرورة، حتى لو ظل حيا.

على هذا الأساس يكون الخَنوع أشد ضراوة مع الأقل حظا وشأنا وتراتبية اجتماعية وسياسية واقتصادية. إنها الطريقة المثلى لنيل الرضا الذي يحفظ له الدور.. أي الوجود.

وسائل الإعلام تفعل ذلك، والأحزاب أيضا، والسلطة بتنوعاتها واختلاف مواقعها وأهميتها.

ينجح الخنوع كثيرا، ولوقت يتناسب مع مقدار نجاحه. لكن هذا ليس كل شيء بالطبع. فهنالك المآلات النهائية دائما هي التي تقرر المصائر وتحددها.

بعض الكتاب والإعلاميين والصحافيين العرب، يتمنون في أعماقهم نتائج معينة في موضوعات مفصلية كالأزمة السورية، لا حبا بهذه النتائج، مقدار ما هو تمديد لدورهم كخنوعين بجدارة فائقة.. أي كموجودين!