العِلْمُ.. يا عرب..!

العِلْمُ.. يا عرب..!

نظير مجلي

المئات ارتفعت حواجبهم فوق العيون، وهم يستمعون لوزير الاقتصاد الإسرائيلي، نفتالي بنيت، وهو يتحدث إلى طلاب مدرسة عرب من مدينة شفا عمرو ومعهم أهاليهم ومئات الشباب الناجحين في العلوم التكنولوجية العالية.

هم 25 طالبا في الثانوية متفوقون في العلوم الطبيعية والرياضيات. بفضل تميزهم تبناهم معهد الهندسة التطبيقية في حيفا (التخنيون)، وهو المعهد الذي حصل اربعة من علمائه حتى الآن على جائزة نوبل للكيمياء والفيزياء والرياضيات.

ويتبنى هذا المعهد عادة الطلبة اليهود الممتازين ويمنحهم شهادة السنة الأولى للدراسة الجامعية حالما ينهون الثانوية. وفي السنوات الأخيرة بدأ يهتم أيضا بالتلاميذ العرب من فلسطينيي 48.

قال لهم الوزير بنيت، خلال مهرجان للنهوض بالعلوم أقيم في الناصرة، ما يلي: “دولة إسرائيل تصرف على التلميذ اليهودي ثلاثة أضعاف ما تصرفه على التلميذ العربي. وأنتم صامتون. فلماذا تصمتون. هذا الواقع ناجم عن سياسة تمييز خاطئة تنتهجها الحكومات الإسرائيلية وأنا اريد تغييرها. ولكن هذا التمييز مستمر بسبب صمتكم. فكفوا عن الصمت”.

استغرب السامعون أقوال هذا الوزير بالذات، الذي يقود حزب المستوطنين في إسرائيل ومعروف أنه ينتهج سياسة يمينية متطرفة ومتغطرسة. فقط قبل ايام صرح بأنه في حال يلتقي ابو مازن (الرئيس الفلسطيني محمود عباس)، سيطلب منه ان يحضر له فنجان قهوة.

واليوم يدير حملة تستهدف منع التوصل إلى اتفاق إسرائيلي فلسطيني يتيح استئناف المفاوضات. ويحارب ضد إطلاق سراح الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيينن لأنها تتضمن تحرير 14 اسيرا من فلسطينيي 48.

باختصار، من الصعب أن نتهم بنيت بأنه صار “حمامة سلام” أو أنه يهتم فعلا بمصالح المواطنين العرب في إسرائيل وتقدمهم العلمي. فلا هو مبني لمثل هذه المواقف ولا السياسة الإسرائيلية تعتمد على التطوير العلمي للعرب. ومع ذلك، فقد سمعناه يتفوه بهذه الكلمات.

فما السبب؟

السبب هو أن إسرائيل هي أم التناقضات في عالمنا. وبنيت هو نموذج واحد على ذلك. وإن كان لنا أن نجد في تصريحاته شيئا فإننا ننظر إلى جمهور الحاضرين اللقاء معه.

فقد شاهدنا هناك مئات المبدعين في العلوم وفي الاختراعات العلمية من الشباب العربي. أحدهم تلميذ من الناصرة في السادسة عشرة من عمره، يدعى حنا معلم، الذي اخترع جهازا في مجال البصريات – الفيزياء، يؤدي الى تحسين أداء نوع خاص من النظارات (Pinhole Glasses)، الذي يستعين به أشخاص لديهم مشاكل محددة في انكسار الضوء في العين وخاصة في القرنية، ويمكن بهذا التحسين توسيع مجال الرؤية لهؤلاء الأشخاص وجعلهم يقرؤون كمية أكبر من الكلمات.

وشاهدنا هناك البروفسور حسام حايك، وهو شاب عربي فلسطيني في التاسعة والثلاثين من العمر ويعتبر واحدا من أهم أربعة علماء في إسرائيل، سجل على اسمه حوالي 30 اختراعا عالميا حتى الان، أشهرها “أنف” (ألكتروني) “يشم” الخلايا السرطانية في جسم الانسان ويفصلها عن بيئتها ويدمرها قبل أن تنتشر وتهدم غيرها من الخلايا. وقد رشحه الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرس، بفضل هذا الاختراع، للحصول على جائزة نوبل في الكيمياء.

وشاهدنا في الحفل نفسه عشرات الشباب العرب الناجحين في عالم الهايتك (التكنولوجيا العالية)، الذين يعملون في شركات إسرائيلية متقدمة او يقيمون شركات خاصة بهم ويخوضون غمار النشاط الاقتصادي على اعلى المستويات في إسرائيل وبعضهم وصل الى العالمية ايضا.

هؤلاء الشباب شقوا طريقهم متغلبين على صعوبات كثيرة، كونهم عربا فلسطينيين في إسرائيل. تحدوا سياسة التمييز وأثبتوا جدارتهم العلمية وأقنعوا أستذتهم بتميزهم الرفيع. فوصلوا إلى مكانة مرموقة وانضموا الى نادي المخترعين. ونادي المخترعين في إسرائيل كبير جدا، إذ يوجد فيه ما لا يقل عن 16 ألف مخترع سجلت على أسمائهم 20 ألف اختراع. بهم تمكنت إسرائيل من تحقيق ازدهار اقتصادي كبير. كل مخترع منهم يشكل رافعة للاقتصاد الإسرائيلي، فضلا عن الانجاز العلمي الشخصي وما يتبعه من مجد. لذلك تستثمر إسرائيل بهم أموالا طائلة، وهي تعلم جبدا ان كل دولار تستثمره في عالم واحد، يعود عليها بألف دولار وربما مليون دولار. وتعلم انه لا يوجد مشروع اقتصادي يمكن ان يجني ارباحا أكبر واهم من الاستثمار في العلم.

ويا ليتنا نرى مثل هذا الاستثمار في عالمنا العربي. فالدول العربية مجتمعة ذات الثلاثمئة مليون نسمة، لا تستثمر في البحوث العلمية بمقدار ما تستثمره إسرائيل، ذات السبعة ملايين. وهذا يخلق حسرة واسى لدى كل مريد الخير للعرب.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث