نريدك بغلا من الشرق!

نريدك بغلا من الشرق!
المصدر: محمد بركة

كتب توفيق الحكيم عن ” عصفور ” من الشرق بينما كتب محمود السعدني عن ” حمار ” من الشرق ، فيما وضعت لي الأقدار خيارا آخر تماما!

والحكاية أنني كنت أتصور أن الإثارة التي تسبق عادة رحلة السفر الأولى خارج الحدود ستمنعني من النوم خصوصاً أن موعد الطائرة يتطلب الاستيقاظ الثالثة فجراً، لكنى كنت واهماً، التعب بلغ مني منتهاه فسقطت في النوم مثل حجر بعد نهار حافل قضيته في اللف على أصدقائي من “أصحاب السوابق” الخارجية، الكل يريد أن يعمل معي واجباً فيلزمني بضرورة لقائه منفرداً ليتلو عليَ وصاياه العشر. وفى كل بيت أو مقهى لا تخرج الوصايا فى مجملها عن ضرورة أن أرفع رأس العرب وأُري حريم أمريكا ما لا عين أنثوية رأته في سوق الرجولة.

ـ نريدك بغلاً من الشرق!

ـ شهداؤنا في فلسطين والعراق وأفغانستان يناشدونك الانتقام.

اللقاء الوحيد الذي كان يعنيني اقتضى منى اختراق مجاهل “الصين الشعبية”… هناك في عمق “بولاق الدكرور” من ناحية “ناهيا” حيث التقط الخيال الشعبي هذا الاسم ليطلقه على أشهر أحياء القاهرة زحاماً وتلوثاً وفوضى، ولست أريد إعطاء انطباع كاذب بأنني كنت أتوغل فى هذه الأحراش البشرية على طريقة “المثقف المتأمل” الذي يرصد نماذج أو يستكشف عوالم، فالحق الحق أقول: كنت أسير مثل ثعلب اختطفوه من الغيطان وتركوه فجأة فى مفترق طرق أسفلتية سريعة

ولكن من أجل “جو” ينسقي العُليق!

“جو” هو كبيرنا الذي علمنا السحر ولا أستطيع أن أقوم بهذه الرحلة دون أن أمُر عليه، ليس “لكي نأخذ البركة” كما نمزح معه دائماً، وإنما بسبب إحساس دفين بالذنب يكنه معظم أفراد الشلة تجاهه، يكبرنا بعشر سنوات على الأكثر إلا أن مظهره يعطيه عشراً إضافية ونحن القادمون من الريف والنجوع تربينا على مكتبته، بل وسطونا على نصفها، وهو القاهري كان بوابتنا إلى العاصمة ودليلنا إلى أسرارها وعالمها الليلي، نبيت عنده بالأسابيع فلا يتذمر، نستلف سجائره فلا يشكو وندهش لثقافته الموسوعية، وتجاربه المذهلة ونقول “آدي اليساريين ولا بلاش”

هو الذي عاش في بيروت أيام الحرب الأهلية، وترقى إلى رتبة “مقدم” في خلية عسكرية، نعجب متى ينام، فعيناه حمراوان، دائماً حمراوان، لا يحلق ذقنه، ولا يكف عن تدخين الشيشة ويحيط علاقته بالمرأة بستار كتب عليه “ممنوع الاقتراب أو التصوير”، يكره الأكل كراهية العمى، وإذا ازدرد بعض لقيمات، فإنما يفعل ذلك لكي لا يكون التدخين على معدة خاوية، لا يطيق الخروج أو الاستحمام، لا يحمل للفلوس هماً، فهى تأتيه بانتظام من البلد بسبب قطعة أرض كبيرة ورثها عن أبيه الذي كان أحد الأعيان.

وكما هو قانون الأشياء، كان لابد أن يأتي يوم ينطفئ فيه البريق، وتخبو جذوة الوهج، ونقرر بيننا وبين أنفسنا فى لحظة “نذالة تاريخية” أن “يوسف” مرحلة وانتهت.

وإذا قمنا بأي مبادرة ودية مثل التي أفعلها الآن فمن باب “عدم التمادي فى النذالة” والتواصل مع الرجل الذي كان يوماً ما أهم شخص في حياتنا والآن أصبحنا لا نراه إلا مرات تُعد على أصابع اليد كل عام، والغريب أنه مثلما كان صبوراً ونحن نقص عليه ارتباكاتنا العاطفية، ومتفهماً ونحن نسأله النصح والإرشاد فى غرامياتنا، لم يتذمر مطلقاً، ولم يغضب أبدا ونحن ننفض من حوله بل كان يقول فى نبرة تجمع بين الحنو الأبوي والأداء المسرحي: اذهبوا فأنتم الطيور.. لكم الفضاء والحرية!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث