حكموا أمريكا ورضخوا للانجليز!

حكموا أمريكا ورضخوا للانجليز!
المصدر: تاج الدين عبد الحق

بالمقياس السياحي، لا تقع ايرلندا ضمن إهتمامات العرب الذين جعلوا من لندن مربطا دائما لخيلهم، لا يتعدوه إلا إذا كانوا ذاهبين إلى الولايات المتحدة، أو كندا.

وبالمقياس الجغرافي يعتبركثيرون ايرلندا، زائدة جغرافية لأوروبا وإمتدادا ثقافيا لبريطانيا، وبالتالي فإن زيارتها مضيعة للوقت والمال، لأن ما تراه العين في أي مدينة إنجليزية هو ما ستراه في أي مدينة ايرلندية، بل وعلى نطاق أضيق حجما وأقل كثافة.

حتى الصراع التاريخي بين البريطانيين والايرلنديين، الذي كانت تتردد أصداؤه في القرن الماضي، لم يثر اهتمام العرب أو يلفت إنتباههم. وفي معظم الأحيان نظروا إليه، باعتباره لعب عيال قياسا لصراعاتنا، في الشرق الأوسط . واعتبره آخرون نزاع أخوة، أكثر منه خلاف دولي، وتناسوا عن جهل أو قصد الكلفة العالية لهذا الصراع عبر التاريخ .

في ضوء ذلك، فإن زيارة ايرلندا بالنسبة لمعظم العرب هي زيارة استكشاف، وجولة في عوالم مجهولة من التاريخ، والجغرافيا والديموغرافيا والاقتصاد، وهي زيارة تحمل الكثير من المعلومات الجديدة والمفاجئة أحيانا، ومنها ما سجلته خلال أيام قضيناها في العاصمة الايرلندية دبلن ضمن وفد لغرفة تجارة وصناعة أبو ظبي سافر إلى هناك من أجل تلمس فرص الاستثمار والتعاون الاقتصادي والتبادل التجاري، فضلا عن تبادل الخبرات في مجالات التدريب وإقامة المشاريع الاستثمارية المشتركة.

أولى المفاجآت أن الايرلنديين الذين لا يزيد عددهم عن 4,5 مليون نسمة ، هم جزء من أمة ينتمي لجذورها أكثر من 80 مليون نسمة موزعين حول العالم، وهم في هذا ينازعون اللبنانيين واليمنيين في مستويات الهجرة والإغتراب. لكن على خلاف الهجرات القومية الأخرى، فإن الأغلبية الايرلندية تعيش في المستعمرات البريطانية القديمة، أي في الولايات المتحدة وكندا واستراليا ونيوزلندا وغيرها من الدول التي تنتمي للحضارة الانجلو سكسونية .

لم تكن هجرة الايرلنديين هجرة طوعية، بل جاءت نتيجة ظروف إجتماعية وإقتصادية قاسية، وعانوا في البلدان التي استقروا فيها، خاصة في الولايات المتحدة، من إضطهاد وتمييز لم يكن أقسى منه إلا اضطهاد الأفارقة والأقليات الآسيوية التي نزحت للعالم الجديد. لكنهم بصبر يفسر برودة لاتعادلها إلا برودة الانجليز، استطاعوا تحقيق نجاحات مشهودة في بلاد الاغتراب.

انتشار الجالية الايرلندية الواسع، جعل لوطنهم الأم تأثير أكبر بكثير من جغرافية البلد وتاريخه. ولذلك يتندر الايرلنديون ويقولون إنهم حكموا الولايات المتحدة، أكثر من مرة، مشيرين إلى عدد من الرؤساء الأمريكيين من ذوي الأصول الايرلندية، الذين نجحوا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وكان من أبرزهم الرئيس ا الديمقراطي جون كينيدي الذي حكم في الستينيات من القرن الماضي والرئيس الجمهوري رونالد ريجان الذي الذي كان ممثلا قبل أن يدخل عالم السياسة حاكما لولاية كاليفورنيا، أكبر وأغنى الولايات الامريكية، ومن ثم رئيسا حتى أواخر سبعينات القرن الماضي .

وعلى خلاف ما يعتقد الكثيرون، فإن لإيرلندا لغة قومية خاصة، مختلفة تماما عن اللغة الانجليزية التي تشكل عمليا اللغة الرسمية والوحيدة للبلاد. وللغة الايرلندية مفرداتها الخاصة ونبرتها المميزة. لكن الانجليزية فرضت عليها فرضا من قبل البريطانيين الذين أرادوا محو الهوية القومية لإيرلندا، وإجتثاث الكاثوليكية، التي مثلت العدو التاريخي للبروتسانتية الإنجليزية، وذلك عبر إجراءات عديدة شملت اقتطاع الجزء الشمالي وإلحاقه ببريطانيا بحجة حماية البروتستانت في مواجهة الكاثوليك في الشمال، ومنها إقامة الجامعات والمراكز الثقافية في الجنوب لتكرس من خلالها الهيمنة الثقافية الانجليزية .

وقد نجحت بريطانيا في ذلك إلى حد بعيد ، فعلى الرغم من الكره الدفين الذي يكنه الايرلنديون للبريطانيين، إلا أنهم استكانوا إلى فكرة الارتباط العضوي بالانجليز ، فقبلوا بالتوصيف الذي يجعل منهم امتدادا ثقافيا واقتصاديا للحضارة الانجلوسكسونية لا أكثر.

وقد انعكس ذلك على العلاقة التي ربطت إيرلندا بأوروبا، حيث ظل هذا الارتباط من خلال النافذه البريطانية التي كانت نموذجا حدد شكل علاقة ايرلندا بأوروبا ، ومن ذلك مثلا أن ايرلندا فرضت التأشيرة المسبقة على الراغبين في زيارتها حتى لو كانت لديهم “تاشيرة تشنجن” التي تتيح لمن يحملها دخول كل دول الاتحاد الاوروبي.

على أن إيرلندا التي ظلت تستمتع بالحضن الانجليزي، وتكتفي به لإشاعة الدفء في أوصال إقتصادها، وجدت نفسها في العقد الماضي ، أمام إمتحان قاس كاد يؤدي بها للافلاس، فبدأت تتحرك منذ ذلك الحين، بعيدا عن السرب الانجليزي ، للبحث عن روافد جديدة لإقتصادها الذي يملك معطيات مغرية للباحثين عن فرص استثمارية غير تقليدية . فايرلندا تملك مفاتيح الطعام والدواء والتعليم، ومؤسساتها في هذه المجالات من المؤسسات المشهود لها، للدرجة التي أصبحت فيها منافسا وندا لكثير من المؤسسات العالمية، وجعلها شريكا مناسبا لمنطقة الخليج التي تحتاج إلى مظلة أمان غذائي، ووسائل لتنمية موارد بشرية شحيحة وهي مجالات لايرلندا قصب السبق فيها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث