انفلات لفظي لن يوقفه ميثاق الشرف

انفلات لفظي لن يوقفه ميثاق الشرف

طارق الشناوي

من البديهي أن تتسلل هذه الكلمات من الشارع الى الشاشة، ليس هذا تبريراً ولا دفاعا عنها فهي في جانب كبير منها تجرحنا، ولكن علينا أن نذكر أن الشارع يردد قصيدة لجمال بخيت مطلعها “دين أبوهم يبقي إيه” هذه الكلمة يتم التعامل معها الان ببساطة أو “أولاد الذين” استخدمها الشاعر “سيد حجاب” في إحدى أغانيه ومقدم برنامج سمعناه يقول “أبقى ابن ستين كلب لو عملت كذا، أو أقلع هدومي في ميدان التحرير لو حدث كذا “كلمات ليست كالكلمات ولكن من كثرة تداولها أصبحت تقال ببساطة مثل كل الكلمات!!

هناك ولا شك من يسعى إلى الإسراف في استخدامها صارت مثل مزاد علني، كل يريد زيادة الجرعة لكي يلفت إليه الانتباه، دخل إلى سوق الكتابة جيل جديد القليل منهم موهوب والاغلبية موهوم تعتقد أن مجرد كلمة “روشة” تمنح الحوار نكهة عصرية وتجعله على موجة الناس، بل أن هناك فنانة شهيرة صارت تزيد من أجرها في كل مسلسل بمقدار ما تستخدمه في الحوار من الفاظ سوقية.

ولو قلبت في صفحات الدراما ستكتشف أن أشهر عبارة أحدثت ضجة في مصر والعالم العربي ووصفت وقتها بالانفلات هي تلك التي أطلقتها فاتن حمامة في فيلم “الخيط الرفيع” في منتصف السبعينيات “ابن الكلب” التي نعتت بها محمود يسن في حوار ساخن كان من المستحيل العثور على مرادف لفظي آخر، قبلها قال عبد المنعم ابراهيم في فيلم ” بين القصرين” ساخرا من ابيه بعد أن علم بعلاقاته مع الراقصات ” ياابن الكلب يابابا” الذي حدث بعدها هو أن البعض طالب المعاملة بالمثل ورأينا سيل عارم من تلك الكلمة ومشتقاتها تتسلل الى الأفلام.

لا ينجح عملاً فنياً لأن به بذاءات أو لأن البعض يعتقد أن هذه جرأة، الناس بطبعها تكره الإفراط والحكمة تقول “الفضيلة تقع بين رذيلتين الإفراط والتفريط” وهكذا بقدر ما أرفض تلك الأعمال التي تبدو معقمة فأنا أرفض أيضاً الإسراف الذي يصل إلى حد الإسفاف في اعمال اخرى ، النوعان مرفوضان سواء تلك التي تغلف نفسها بغطاء من أوراق “السوليفان” أو الأخرى التى تبدو وكأنها قد تخلصت حتى من ورقة التوت.

هل مخرجي السينما الذين احتلوا الشاشة الشاشة هم المتهمون بالتجاوز بعد ان نقلو معهم الحوار السينمائي .. البعض يعتبر أن هذا رد فعل طبيعي لأن الفيلم يذهب اليه الجمهور ولهذا من الممكن أن يتسامح مع تلك الألفاظ بينما التليفزيون في منزلك هو الذي يقتحم عليك حياتك .

ورأيي أن مثل هذه التحليلات تبدو في جانب منها وكأنها تبحث عن مبرر خارج عن النص لما نراه الآن من توفر عدد كبير من مخرجي السينما صاروا هم الأكثر طلباً من مخرجي الدراما، هناك إحلال وتجديد في العناصر التي تتحكم حالياً في اختيار المخرجين بالتأكيد يتباين مستواهم الفني وبعضهم يقدم رؤية تعود بنا الى ما قبل بدايات زمن الاخراج التليفزيوني ولكن لا شك بينهم من أحدثوا نقلة على مستوى الرؤية البصرية.

حالة من الانفلات اللفظي اقتحمت ولا تزال بيوتنا و لن تتوقف بمجرد ان تتدخل الرقابة بالمنع ولكن أولا بتهذيب لغة الخطاب في الشارع فهل نبدأ بانفسنا؟ لا أتصور أن ميثاق الشرف سواء أكان مصريا أم عربيا من الممكن أن يلعب دورا طالما ظل الشارع هو الشارع!!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث