القبة الحديدية!

القبة الحديدية!
المصدر: نظير مجلي

الخبر الأول يقول: “سماع دوي انفجارات مفزعة في ايلات”، وبالطبع كان رد الفعل الأولي فرحة عربية وغضب اسرائيلي، وبيان من منظمة عربية مسلحة تتبنى العملية وتفاخر بها باعتبارها “انتصار آخر للمقاومة”.

الخبر الثاني، حول الحدث نفسه، يصدر بعد نصف ساعة، يقول: “إسرائيل تحقق في أسباب صوت الانفجارات في ايلات وتفتش عن شظايا صاروخ أو قذيفة أو أكثر. وتؤكد ان المنظومة الدفاعية “القبة الحديدية” تمكنت من التصدي، فأطلقت صاروخها باتجاه القذيفة القادمة من سيناء المصرية على الغالب”.

وراحت وسائل الاعلام الاسرائيلية تتابع الحدث بشكل درامي، كعادتها في القضايا الأمنية. فالتقت عشرات المواطنين الذين وصفوا لها ما جرى: “كنت نائمة، فنهضت فجأة مذعورة وتوجهت إلى غرفة طفلتي المجاورة، وخلال سيري سمعت دوي الانفجار فأصبت بذعر شديد وهويت أرضا قبل ان أصل إليها. كان الصوت قويا جدا وارتعبت. واستيقظت ابنتي تبكي. لا أدري لماذا لا يتركنا العرب نعيش آمنين. أليس لديهم أطفال يخافون عليهم”.. وهكذا.. عشرات من هذه القصص، التي تثير التعاطف والتضامن وتقوي أنصار اليمين والعربدة العسكرية.. وتترافق عادة مع تصريحات “ملائمة” من العسكريين الذين يهددون ويتوعدون.

ولا يخلو الأمر من أحاديث عن المنظومة الدفاعية “السحرية”. فالقبة الحديدية هي اختراع اسرائيلي يقوم على التكنولوجيا العالية. وهي منظومة تحتوي على جهاز رصد دقيق، عندما “يشم رائحة” صاروخ أو قذيفة تطلق باتجاه اسرائيل، يطلق من جهته أشعة ليزر تلاحق الصاروخ “المعادي” وترسم خريطة لمساره. فإذا كان سيسقط على أرض خالية تتركه وشأنه. ولكن إذا كان اتجاه مساره يدل على أنه سيسقط على منطقة مأهولة، فإنها تطلق صاروخا حديثا ودقيقا باتجاهه وتفجره وهو في الجو وتدمره من دون أن يصيب هدفه.

واسرائيل تنسى عادة أن فكرة الاختراع هي في الأصل أمريكية، ومأخوذة عن فكرة صواريخ الباتريوت. وانه يتم بتمويل شبه كامل من الولايات المتحدة، بقرار من الرئيس باراك أوباما، الذي يشبعونه نقدا ولسعا وكسحا.

الخبر الثالث، حول الحدث نفسه، لكنه يصدر في اليوم التالي فيقول: “اتضح انه لم تطلق أية قذيفة من سيناء باتجاه اسرائيل. وأن ما حصل هو أن أجهزة القبة الحديدية أخطأت التقدير. فأطلقت صاروخا، هو الذي أحدث دوي الانفجار”. فسكتت أجهزة الاعلام عن الكلام. وطويت صفحة الحدث، بانتظار الحدث القادم، والذي قد يشهد سيناريو مشابها بالضبط لهذه المسخرة.

هذا هو عالمنا. في بعض الأحيان يبدو مضحكا وفي أحيان كثيرة مبكيا. ولولا أن الأمر يتعلق بأرواح بشر، لكنا نحن أيضا طوينا هذه الصفحة بابتسامة ساخرة. ولولا أن تلك المرأة صاحت: “لا أدري لماذا لا يتركنا العرب نعيش آمنين. أليس لديهم أطفال يخافون عليهم..”، لعبرنا عنه بابتسامة حزينة. فهذه الصيحة بثت على الأثير، لكنها لم تتبدد في الهواء ولا يمكن طيّها. لقد حفرت السؤال في عقول ألوف وربما عشرات أو حتى مئات الألوف من الاسرائيليين. وزرعت في قلوبهم فيضا من الخوف وبالتالي فيضا من الكراهية والحقد. ومع أن مطلقي هذه الصواريخ من سيناء أو غيرها، لا يقصدون بالضرورة خدمة العرب من وراء اطلاقها، بل لا يقصدون ضرب اسرائيل في كثير من الأحيان، فإننا نحن العرب عموما والفلسطينيين خصوصا، ندفع ثمن اطلاقها كاملا وما يجره من كراهية وأحقاد. فإنه يغذي آلة الحرب والعدوان الاسرائيلية، التي تنتقم فورا بقصف مضاد لقطاع غزة، بغض النظر إن كان إطلاق الصواريخ قادم من غزة أو سيناء وبغض النظر إن كانت الصواريخ سقطت في إسرائيل أو داخل القطاع، حيث أن خمس عدد الصواريخ التي تطلق من هناك لا تعبر الحدود الاسرائيلية ولا أحد ينشر شيئا عن ضحاياها من الفلسطينيين. والمؤكد أنه لا يوجد بالضرورة ضرر إسرائيلي من هذا القصف، بل يوجد حتما ضرر فلسطيني.

وهكذا، فعندما تلخص أحداثا كهذه، تجد أن صواريخ المقاومة ليست مقاومة، بل هي مجرد عرض عضلات بائس لا يسمن ولا يغني من جوع، والدفاع الاسرائيلي ليس دفاعا، بل عدوان شرس لا يعرف الرحمة، وشعبنا الفلسطيني هو الذي يدفع الثمن.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث