شخصية البطل

شخصية البطل
المصدر: يوسف ضمرة

شخصية البطل التي هيمنت على العقل العربي عقودا عدة، تسببت في تهميش قيمة الوعي الشعبي، الأمر الذي منع هذا الوعي من تطوير ذاته، وظل مقصورا على نخب ثقافية وسياسية كجزر معزولة بين الجماهير.

كانت الحلول دائما عبر التاريخ العربي تتم ببروز شخصية البطل المخلّص والمنقذ. وهو أمر له جذور قوية في التراث الديني والأساطير والخرافات والحكايات الشعبية العربية. فالسّير البطولية التي وصلت إلينا وشكلت معالم نتغنى بها حتى يومنا هذا، كانت سير “أبطال” خارقين، ينتصبون في مواجهة تقزيم الشعب والجماهير. أي إننا لم نصنع ملحمة كشعوب الأرض الأخرى، لأن الملاحم تخص أمة لا أبطالا أو أشخاصا محددين. ومن يقرأ إلياذة هوميروس على أنها سيرة آخيل أو أغاممنون أو أوديسيوس فهو مخطئ. هذه كانت مجرد رموز لقيم إغريقية جرى إعلاؤها في الملحمة.

في سيرنا الشعبية ثمة أبطال خارقون دائما.. أبو زيد الهلالي والزير سالم وعنترة العبسي وصلاح الدين والظاهر بيبرس وجمال عبد الناصر. ربما لا نكاد نتذكر من سيرة الزير سالم سوى قوته وجبروته، ولا نعرف حكاية أبي زيد الهلالي جيدا بمقدار ما نحفظ صورته الخارقة. وعنترة بلا حكاية سوى حبه عبلة، وبطولته التي انتزعت اعتراف القبيلة به.

المخلّص أو المنقذ أو “البطل” شخصية عربية ساهم الدين في تكريسها ورسم ملامحها وانتظار ظهورها بين حين وآخر. ويعود ذلك إلى أن الثقافة الإسلامية تعتبر نفسها كالثقافات الدينية الأخرى، منتهى الوعي ونهاية المعرفة. وهو ما يعني انتفاء البحث وتطوير الوعي البشري سعيا للنهوض بأمة أو بشعب أو بجماعة ما، لأن المعتقدات الدينية كفلت ذلك. وقد ذهبت هذه المعتقدات إلى ما هو أبعد، فظهرت فكرة”المهدي” الإسلامي المخلّص الذي سوف يأتي يوما ليخلص الأمة الإسلامية من شرور أعدائها، ويمهد بذلك لعودة الإسلام قبل قيام الساعة. وقد شاعت في العصر الحديث مقولات تفيد أن المهدي هو عبد الناصر، خصوصا أن موشيه دايان كان “أعور” فقيل إنه” أعور الدجال”. وقيل الأمر نفسه عن صدام حسين حين قصف تل أبيب، ويومها استند العقل الشعبي على ما ورد في الأحاديث والحكايات الدينية، من أن المهدي سيأتي من الشرق. وهو ما يشجع آخرين اليوم على إسقاط هذه الميزة على قادة الثورة الإيرانية واحدا بعد آخر.

إن الأمة التي تعتقد أن معتقداتها الدينية أو الثقافية والفكرية هي نهاية الوعي البشري، لن تستطيع التقدم خطوة واحدة، ما لم تؤمن أن الوعي الفكري والثقافي قابل للتطور والتحقق أولا. وهو ما لا نتلمسه حتى اليوم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث