قمة كمالة العدد

قمة كمالة العدد

تاج الدين عبد الحق

الإنجاز الوحيد الذي يمكن للقمة العربية، أن تحققه، هو أن انعقادها، في الكويت هذا الأسبوع، يحفظ لها الانتظام في الانعقاد سنويا، ويبقي على تناوب الاستضافه بين الدول الأعضاء.

هذا الإنجاز، على تفاهته، يبدو هاما، إذا وضع في سياق التدهور الذي تشهده العلاقات العربية العربية، والتي بات لملمة أشلائها مهمة بالغة الصعوبة، بعد أن أصبح ما بين الدول العربية أكثر مما صنع الحداد.

الخلافات العربية لم تعد خلافات سياسية، ولم تعد من نوع التباين في وجهات النظر، والأساليب، أو خلافات في الإديولوجيا، بل خلافات حقيقية، تشعل حروبا، وتذكي أحقادا. وفي مثل هذا النوع من الخلافات فإن حضور أو عدم حضور القمة، لا يصبح مرتبطا بالتوازنات أو التحالفات بين أعضاء الجامعة، بقدر ما يرتبط بالمواقف الفردية والمصالح الضيقة للدول الأعضاء.

في العادة القمم العربية ليست أكثر من مناسبات إحتفالية، ولم يكن لها إنجازات حقيقية أو قرارات حاسمة إلا في حالات قليلة، أريد منها توظيف جامعة الدول العربية لتبرير مواقف سياسية، أو إعطاء شرعية لإجراءات تفتقر للشرعية. وكانت معظم القرارات التي اتخذت ضمن هذا السياق سلبية في نتائجها وآثارها نظرا لما فاقمته من خلافات وما خلقته من حساسيات.

قمة الكويت لن تخرج عن القاعدة، ولن تكون هي الأخرى أكثر من مناسبة إحتفالية. لكنها تختلف عن القمم السابقة بأنها تعقد بمن يحضر، حيث يتغلب الثقل االغائب، على العدد الحاضر.

فمن يحضر القمة هذه المرة هم كمالة العدد لا اللاعبون الحقيقيون. وما يبحث ضمن جدول الأعمال هو صدى لما يبحث خارج القمة. بما في ذلك قضية فلسطين، التي شكلت منطلق العمل العربي المشترك.. وما سيطرح على القمة بهذا الشأن لن يكون أكثر من تقرير إجرائي لن يقدم أو يؤخر في مسار التفاوض الذي تتحكم فيه جهات أخرى لا يعنيها العمل العربي ولا تأبه له من قريب أو بعيد.

والقمة العربية التي كانت البدر الذي نفتقده في ظلماء الخلافات العربية، لن تكون قادرة اليوم، على مواجهة الخلافات العربية العربية بعد أن تجاوزت هذه الخلافات، شكلا وموضوعا، كل ما مرت به المنطقة من صراعات ومشاحنات. فحتى المحاور التي كان يتشكل منها العمل العربي المشترك، والتي كنا نعتبرها من مظاهر التمزق العربي، أصبح الحفاظ عليها هدفا صعب المنال، ونسعى سرا وعلنا، إلى استعادتها بكل الوسائل.

فها هو االمحور الخليجي الذي كان محورا وازنا، يمكن الاعتماد عليه في حمل الأطراف العربية الأخرى على طي خلافاتها، يعاني من صدع كبير يحتاج نفسه، لمن يحميه من الانهيار. بحيث لم تعد الخلافات بين الإمارات والسعودية والبحرين من جهة وبين قطر من جهة ثانية، تهديدا لفعالية الدور الخليجي في المنطقة فقط، بل تهديدا لتماسك منطقة الخليج، وثغرة في جدار أمنها بالذات.

والمحاور القائمة اليوم بين الدول العربية ليست محاور سياسية بقدر ما هي ترتيبات ثنائية، ذات أهداف ذاتية ضيقة. فالمحور العراقي السوري مثلا، يبدو كما لو أنه تنسيق عسكري آني، فرضته اعتبارات المواجهة مع التنظيمات المسلحة التي نبتت على هامش الأزمة السورية وبعد أن تمددت إلى خارج الحدود. وبالتالي فإن هذا المحور، لن يكون قادرا على أن يكون نواة لعمل عربي مشترك حتى لو نجح في مواجهة تلك التنظيمات. فمثل هذا النجاح قد لا يصمد أمام إرث كبير من الشكوك والاتهامات التي اتسمت بها علاقات دمشق ببغداد طوال العقود الماضية رغم تبدل الاوضاع وتبدل الأشخاص والقيادات.

أما الأردن فإنه يبدو مشلول الفعل، بين دور تدفع إليه دول الخليج، وبين إعتبارات أمنية تمنعه من القيام بهذا الدور. و فيما هو شريك حتى العظم في التداعيات الإنسانية للأزمة السورية، يحرص بقوة على النأي بالنفس عن تداعياتها الأمنية.

أما الدول العربية في أفريقيا فتبدو غارقة في مشكلاتها الداخلية. فمصر أمام استحقاقات دستورية ملحة، قد لا تجعلها قادرة على الالتفات لمحيطها العربي، إلا بالقدر الذي يساعدها هذا المحيط، على تجاوز أزماتها الداخلية، ليبيا أيضا غارقة في مشكلاتها الداخلية وهي غير قادرة على تنقية جبهتها الداخلية، ناهيك عن المساهمة في تنقية الأجواء العربية. ونفس الكلام ينطبق على باقي الدول العربية في القارة السوداء التي تعاني إما من خلافات سياسية، أو حروب أهلية.

الخلاصة أن الصور العامة قاتمة، والنفق الذي تعبره القمة مظلم للدرجة التي يصبح التعويل على ضوء في نهايته، نوعا من التكاذب الذي نعلم جميعا أنه غير مفيد إلا لالتقاط صور تذكارية ثرية بالابتسامات التي لا تعكس حقيقة ما في القلوب.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث