الثورة انتهت.. الثورة انتهت

الثورة انتهت.. الثورة انتهت

مسعود عكو

بلغ صمت السوريين نصف قرن على حكم حزب البعث، وعقود أربع ونيف على حكم آل الأسد. كان شعار الشعب السوري “يلي يتجوز أمي بقول له يا عمي”، وثقافة الجبن التي أورثها الآباء للأبناء خلال نصف قرن خلق أجيالاً تخطط حياتها وفق الأمثال الشعبية “حط راسك بين الروس وقول يا قطاع الروس”. الثقافة التي ولدت خوفاً تخلل إلى مورثات الإنسان السوري.

الصدفة هي التي أثارت مشاعر طفولية كانت مخبأة دفعت بمجموعة أطفال لكتابة “غرافيتي” على جدران المدرسة تنادي بإسقاط النظام ورئيسه. من درعا التي نصف سكانها يعملون في الدولة كأكبر الموظفين من الخدمة الجامعية إلى وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية ونيابة رئيس الجمهورية. والنصف الأخر يعمل في الخليج، يكسب قوت الملوك ومدخول الأمراء. درعا التي رحبت بحافظ الأسد قبل أية محافظة أخرى عندما انقلب في “حركته التصحيحية” 16 نوفمبر 1970. قالت درعا لا ولأول مرة في حياتها، داهسة بكلتا رجليها صور الأسد الأب والأبن، وواجهت القاتل في عينيه وقالت: أنت قاتل!

التطورات السريعة في انتقال الحدث الدرعاوي إلى حركة احتجاج جماهيرية، ومن بعدها إلى ثورة شعبية عمت أرجاء سورية. سرعان ما فطن النظام إلى ضرورة التدخل في وقف التسمية الثورية للأحداث، وقلبها إلى حركة احتجاج مسلحة، مضيفاً إليها توابل الطائفية والنعرات العنصرية. قمع بعنف، قتل دون أية رحمة، وقاوم الاحتجاجات بكل ما أوتي من قوة. لكن ليس النظام وحده يتحمل وزر التسليح في الثورة، وقلبها من ثورة شعبية إلى حرب أهلية بين أمراء الحرب الذين سرعان من وحدهم ممولون لهم.

المجموعة الوطنية التي كانت تتمتع بحسب إنساني المنشقة عن جيش آل الأسد، شكلت نواة لجيش وطني يدافع عن الشعب باسم الجيش الحر. هذا الجيش الحر الذي انتقل من مجموعة مناضلين عسكريين، إلى مجموعات مسلحة منطلقين بمقطع فيديو لاستثمار العسكر في الثورة. متكئين بذلك على الممول الرئيس وهو دول الخليج التي قدمت مفرقعات بسيطة، وتوقفت عن الدعم. ففتح الأسد نيران مدافعه على كل حي خرجت منه طلقة رصاص دون رحمة أو شفقة.

الأسد اقترف كل الموبقات، ويشارك الشيطان اليوم في منصبه. لكن أمراء الحرب من السوريين أيضاً كان لهم دورٌ بارزٌ في تحوير مسار الثورة الشعبية إلى حرب أهلية. فاسدون ومرتزقة ومتسلقو الثورة باتوا اليوم أكثر من ثوارها ووطنيها، والأسماء كثيرة تلك التي تورطت في بيع مناطق مقابل المال. أو لجأت إلى خطف كل من يرون فيه صيداً ثميناً، ومهد الثوار-اللصوص إلى قيام كانتونات عسكرية محمية بقوى ظلامية لا أحد يعرف عنها أي شيء.

الثورة تمخض عنها مرتزقة أكثر من ثوار، تجار دم أكثر من مناضلين. وكأن الناس كانت تنتظر فرصة كهذه لتكون الثروات من قتل الأبرياء واختطافهم وسرقة قوتهم الذي بالكاد يسد الرمق. تورط الثوار-اللصوص في قتل السوريين مثلهم مثل الأسد، وحولوا الوطن إلى أرض مليئة بالألغام البشرية، والمتفجرات الطائفية. الثوار-اللصوص باعوا الوطن إلى القاعدة وجبهة النصرة وكل الكتائب التي تحارب باسم الله، والله منهم براء. لصوص باسم الثورة تحولوا إلى لصوص باسم الله.

الثورة انتهت، لكن الحرب ما تزال. الحرب الأهلية اليوم بين السنة والعلويين، المسلمين والمسيحيين، الكرد والعرب والدروز والسريان والأشوريين. سورية بلد ممزق بين جنرالات الحرب الذين يشتركون بالخفاء وربما بالعلن مع الأسد في بيع سورية لمارد أخطر من الأسد. بيع سورية الوطن والشعب والأرض إلى كل من يدفع لهم. الثورة انتهت عندما انتهت السلمية، نعم الأسد من بدأ الحرب، ولكن الثوار-اللصوص كانوا ولازالوا جنداً أوفياء له. نفذوا أوامره بكل طاعة وخضعوا لحكمه بكل ولاء.

الثورة انتهت.. الثورة انتهت.. الثورة انتهت.. الثورة انتهت..

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث