عباس ودحلان أمام عرفات

عباس ودحلان أمام عرفات

تاج الدين عبد الحق

استغرب اتهامات الرئيس الفلسطيني محمود عباس، للقيادي محمد دحلان، بضلوعه في جريمة قتل الرئيس الراحل ياسر عرفات، وقيادات فلسطينية أخرى.

الغرابة هنا ليست استنكارا لتلك الاتهامات، أو رغبة بالدفاع عن دحلان، أومحاولة الانتصار لهذا وتبرئة ذاك، فما أملكه من معطيات ومعلومات لايسمحان لي بلعب هذا الدور.

المسألة برمتها تتناول شكل الاتهامات، لا مضمونها. فالذي يوجه أصابع الاتهام هو رأس السلطة الفلسطينة، الذي كان بمقدوره إصدار أوامره المباشرة، للأجهزة الأمنية والقضائية للتحرك، بعيدا عن الإعلام، لفحص ما قال عنه عباس شواهد جديرة بالتحقيق للتأكد من مدى ضلوع دحلان بقضية دس السم لعرفات، وتواطئه في قتل عدد آخر من القيادات الفلسطينية.

هذه الاتهامات، التي يسوقها عباس ليست مبنية على أن موت الزعيم الفلسطيني الراحل بالسم هي فرضية، بل كما لو أن موت عرفات مسموما، هو أمر مؤكد ومحسوم.

ومعنى ذلك، أن عباس يتجاهل في اتهاماته ما أظهرته الفحوص المخبرية الفرنسية والروسية، التي رجحت أن عرفات لم يقتل بالسم وأن وفاته كانت وفاة طبيعية. صحيح أن الرواية السويسرية في هذا الشأن ظلت متمسكة بفرضية السم القاتل، إلا أن القضية برمتها طويت تقريبا بعد ظهور نتائج الاختبارات الروسية التي لم يكن لها مصلحة في إخفاء الجريمة إن كانت هناك جريمة من الأساس .

الملاحظة الشكلية الثانية هي أن اتهام دحلان يجيء في وقت ترتفع أصداء الخلافات التنظيمية والشخصية بين الرجلين، مما يضعف مصداقية الاتهامات التي يسوقها عباس، ويجعلها ضمن ما يوصف بالاتهامات المغرضة، التي لا يراد منها الوصول للحقيقة، بقدر ما هي نوع من تصفية الحسابات لا أكثر.

وأيا كانت المعطيات التي يملكها الرئيس الفلسطيني، فإن مجرد إحياء فرضية أن الزعيم الفلسطيني الراحل مات مسموما، معناه أحد أمرين:

إما أن العينات التي نقلت من جثمان الرئيس عرفات لفحصها في المختبرات الفرنسية والروسية، كانت عينات مغشوشة وأريد منها تغطية الجريمة وطوي صفحتها، وفي هذه الحالة فإن الرئيس عباس لا بد أن يكون على علم بذلك، وأنه هو من أمر بتغيير العينة، أو على الأقل سكت عن الذين قاموا بتغييرها. ووفق هذا الافتراض فإن عباس كانت لديه النية المبيتة لإظهار الحقيقة، في الوقت الذي يختاره، وعندما يحتاجها، إما خدمة لمصالح خاصة، أو ورقة لتصفية حسابات يهدد بها الخصوم وعلى رأسهم دحلان. وإذا صحت تلك الفرضية، يكون عباس قد ارتكب خطأ مزدوجا، فهو من جانب ساهم بتضليل العدالة فترة طويلة، وقام من جانب، باستغلال قضية وطنية تمس وجدان الشعب الفلسطيني لكيل الاتهامات لخصم سياسي.

الأمر الثاني أن الرئيس عباس يعيش حالة من الضعف الداخلي والعزلة الخارجية التي تجعله يطرح مثل هذه القضية المؤثرة وطنيا، في اجتماع سياسي لمناصريه ومحازبيه. فالأصل أن رؤساء الدول وأصحاب السلطة لا يوجهون اتهامات قانونية ذات طابع تحريضي و في اجتماعات عامة، بل يتجهون مباشرة إلى المؤسسات وأبرزها النائب العام لفحص القرائن والأدلة التي تتوفر بحوزتهم لإصدار القرار المناسب لملاحقة المتهمين، وهو ما لم يفعله عباس الذي بدت اتهاماته لدحلان أقرب للمماحكات السياسية والحزبية والخلافات الشخصية.

مرة أخرى انتقاد الطريقة التي طرح بها عباس احتمال أن يكون محمد دحلان ضالعا بقتل عرفات، لا يعني دفاعا عن دحلان ولا تبرئة له، فالرجل يستطيع الدفاع عن نفسه ولديه من الإمكانيات المادية والمعنوية التي تجعله قادرا على دفع تلك الاتهامات سياسيا وقضائيا. المسألة ببساطة الكيفية التي تتعامل بها القيادات العربية مع القضايا العامة وكيف توظف الموارد والمقدرات العامة لخدمة مصالح شخصية ولإعتبارات خاصة.

الآن وبعد أن أطلق عباس اتهاماته، أصبح لزاما عليه تقديم الدليل على تلك الاتهامات أو الاعتذار عنها إذا ثبت أنه كان متسرعا في إطلاقها، وأنه لم يكن مدفوعا لإحقاق الحق والدفاع عن العدالة، بقدر ماكان مشحونا بخلافات واحقاد شخصية جعلته يطلق اتهامات لا دليل عليها ولا سند لها بل استقواء بسلطة تلعب في الوقت الضائع، وتشبثا بكرسي إنتهت صلاحيته.

يبدو أن الرئيس الراحل ياسر عرفات الذي أتقن في حياته الامساك بخيوط اللعبة السياسية الداخلية، يطل اليوم من مرقده في رام الله ليكون الحكم بين خصمين قد تكون نتائج المعركة بينهما بداية لمرحلة جديدة من مراحل المتاهة الفلسطينية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث