المرأة بين التمثيل والتجميل

المرأة بين التمثيل والتجميل

تاج الدين عبد الحق

ضمن الحلول التي ابتكرها العالم الثالث للتحايل على معالجة الظلم التاريخي الواقع على المرأة، نظام الكوتا النسائية، أي تخصيص حصة من المقاعد البرلمانية والمجالس التشريعية للمرأة يكون التنافس عليها قاصرا على النساء فقط.

ورغم مافي هذا الترتيب من نوايا طيبة، وما فيه من رغبة لتعزيز مكانة المرأة ودورها، إلا أنها لاتعد في العمق، إلا علاجا مسكنا لأوجاع مزمنة تعاني منها المرأة في كثير من الدول النامية ومنها بالطبع الدول العربية.

والواضح أن موضوع تمثيل المرأة في المجالس التشريعية، لم يكن في كثير من الأحيان بهدف الانتصار لقضية المرأة والدفاع عن حقوقها المهضومة. بقدر ما كان من قبيل الموضة وكجزء من ديكور عصري يتناسب مع عملية التحديث الاقتصادية والإنشائية التي قامت بها تلك الدول. وفي أحسن الأحوال تكون تلك الدول، قد فعلت ذلك، بضغوط منظمات حقوقية خارجية، أو لأغراض دعائية، أو كنوع من التجميل لصورتها الخارجية، وإضفاء طابع من الحداثة على تجربتها السياسية.

والملاحظ أن التغيير الذي شهدته الدول التي أعطت مقاعد للمرأة في مجالسها النيابية، كان تغييرا شكليا، لم ينعكس فعليا على الحقوق الأساسية للمرأة، حيث ظلت كثيرا من التشريعات التي تنظم هذه الحقوق على حالها رغم تبدل الأوضاع وإختلاف الاحوال.

نقول ذلك ونحن نحتفل هذه الأيام بيوم المرأة العالمي، حيث تكشف التقارير الواردة من دول عديدة، خاصة تلك التي أعطت حقوق التمثيل السياسي والنيابي للمرأة، أن النساء لا زلن يعشن ظروفا لا إنسانية، ويحرمن من ابسط الحقوق وأقل الحريات.

وهذا الواقع يدفعنا للتساؤل: كيف يمكن أن نتحدث عن التمثيل السياسي والنيابي في بلد لا يسمح للمرأة بقيادة السيارة وتعتبر السلطات فيها، ذلك من الفواحش، والكبائر، التي تتداعى الأجهزة الأمنية لملاحقتها وإنزال عقوبات بمرتكبيها؟

ومالذي يمكن أن نقوله ونحن نحتفل بيوم المرأة العالمي وفي خضم التداعي للدفاع عن حقوق الإناث، عن الدولة العربية، التي أجازت تشريعا للأحوال الشخصية يسمح بزواج قاصرات لا تزيد أعمارهن عن تسع سنوات لمجرد أن أحد المعممين أفتى، وفسر النصوص، بما يتلاءم مع شذوذه الجنسي، وعقده النفسية.

كيف نُسمع صوتنا المدافع عن المرأة، ونحن نصم آذاننا عن صرخات الزوجات والأخوات والبنات اللواتي قتلن غيلة وغدرا بأيدي ابائهن أو أزواجهن أو اخوانهن لمجرد الشك بسلوكهن، وكيف نسمح لأنفسنا بإضفاء طابع القدسية على هذه النوعية من الجرائم لمجرد ربطها بالشرف، ليكون ذلك بمثابة تقدير ضمني لمن يرتكبها، ومبررا كافيا لإفلاته من العقاب والحساب.

مالذي يمكن أن نقوله للصبية الباكستانية ملالا، التي كادت أن تفقد حياتها بسبب دفاعها عن حقها وحق أترابها بالتعليم، وهل يكون التشدق بالتمثيل السياسي والنيابي كافيا، لإعلان براءة الذئب من دم ابن يعقوب؟.

كيف يمكن أن نتحدث عن حقوق سياسية، في وقت لا نستطيع أن نحفظ للمرأة حقها بالاحتفاظ بأولادها ورعايتهم تحت كنفها لمجرد أنهم لا يحملون جنسيتها أولمجرد أن القوانين البالية لا تسمح لها بأن تعطي جنسيتها لوليدها؟

ما أهمية حقوق سياسية وتمثيلية في مجتمعات لا يتساوى فيها المؤمنون والمؤمنات في الحقوق والواجبات، بعد أن أصبح تفسير الآيات محكوما بالمقاييس الاجتماعية لا بمقاصد الشرع، وبعد أن بات التفسير الذكوري للآيات المحكمات، تعبيراً عما في النفوس لا استشرافا لمافي النصوص؟

في يوم المرأة العالمي يجب أن نتذكر بأن التغييرات الشكلية في أوضاع المرأة مهما بدت براقة، لا تعادل في قيمتها وتأثيرها الحرمان من بعض الحقوق الأساسية، التي كنا نظن أنها باتت تحصيل حاصل، لنكتشف مع الوقائع المتواترة، أن المرأة لا تزال محرومة منها ولا تزال تتلمس طريقها لنيل تلك الحقوق وأنها في بداية مشوار طويل لايعرف أحد متى تصل محطته الأخيرة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث