القول المكين في محنة المصريين

القول المكين في محنة المصريين
المصدر: إميل أمين

هل من جذور تاريخية للمحنة التي يعيشها المصريون اليوم في صراعهم بين الدنيا والدين ؟

يري المفكر المصري الدكتور “جلال أمين” في احدث كتبه أنه منذ فترة ليست بالقصيرة، يعاني المصريون محنتين: الأولي في محاولتهم النهوض بأمورهم المعيشية، والأخرى تتعلق بتحديد موقفهم من الدين.

محنة الدنيا” تدور في الأساس حول مشكلة التنمية الاقتصادية، و “محنة الدين” تظهر في انقسام حاد بين التيارين السلفي والعلماني.

يميل الدكتور جلال أمين إلي تعليق أكبر قدر من الأهمية في نشأة وتطور هاتين المحنتين إلي بداية وتطور علاقة المصريين بالحضارة الغربية، فإذا صح هذا، فإن الأمل في تحقيق الخروج من كلا المحنتين لابد أن يتوقف أيضا على تحقيق تغير في هذه العلاقة مع الغرب…

يضع الدكتور جلال أمين أيادينا على الجرح من خلال تحليل اجتماعي سياسي باهر، إذ يشير إلي مأساة التنمية عندنا في مصر وربما في كثير من الدول العربية اقترنت بشكل مأساوي بمأساة التنوير فهو يري أن مصر على سبيل المثال وخلال القرنين الماضيين قد شهدت نموا اقتصاديا ملحوظا، ولكنه كان نموا منقطعا ومعوجا ومشهرها وقد شهدت مصر أيضا خلال نفس الفترة نوعا من أنواع التنوير، ولكنه كان “تنويرا زائفا”.

فكما أخذنا قشور النمو الاقتصادي من الغرب وعجزنا أو حرمنا من أخذ جوهره، فقلدنا الغرب في الاستهلاك وليس في تطوير أساليب الإنتاج، وكذلك في التنوير، قلدنا الغرب في الاستخفاف بتقاليدنا وتراثنا دون أن نحاول استلهام الجوهر العقلاني من تراثنا والبناء عليه، كما فعلوا هم بتراثهم.

قمنا بتمجيد من يهزأ بتراثنا ويمجد كل ما يأتي من الغرب، دون أن نتبين أن التنوير الحقيقي لا يعني التنكر للتراث بل يعني النهوض به وتحريره من الخزعبلات.

كان سبب الفشل في الميدانين واحداً وهو أننا كنا نحاول تحقيق النهضة الاقتصادية والتنوير في ظل تبعية صارخة للغرب، في ظل الاحتلال العسكري تارة، ثم في ظل التبعية الاقتصادية والسياسية بعد انتهاء الاحتلال، فلم يسمح لنا الغرب طوال المائة والخمسين عاما الماضية إلا بتلك التنمية المشوهة والعرجاء، كما أحس معظم مفكرينا بالتخاذل أمام قوة الغرب، فعجزوا عن الاهتداء إلي نموذج سوي للتنوير.

بل أنه مع مرور الزمن، واتساع الفجوة الاقتصادية والفكرية بيننا وبينهم، زادت صعوبة تحقيق كلا الثورتين، زادت صعوبة تحقيق التنمية السوية مع مرور الوقت، ليس فقط لأنه كلما اتسعت الفجوة زادت صعوبة اللحاق بمن سبقك، ولكن أيضا لصعوبة حماية إنتاجك المحلي من المنافسة الخارجية كلما زادت الفجوة بينك وبينهم، وعلى الصعيد الفكري والتنويري حدث ذات الشئ، فكلما اتسعت الفجوة بيننا وبين الغرب كلما أزداد تخبط الكارهين له والمعارضين لأي اقتباس تنويري منه.

كي يكون الدين طريقا مؤديا للنهضة يجب إلا يتجاوز حجمه الطبيعي، إذ أنه يتحول إذا تجاوز هذا، ليس إلي قوة اجتماعية دافعة للتقدم، بل للدروشة والانهيار النفسي، وبدلا من أن يتحول الدين إلي قوة اجتماعية، يتحول في أحسن الفروض إلي وسيلة للخلاص الروحي للفرد، كل شخص يحاول أن ينجو بنفسه منفرداً من النار، لا أن يضم جهده إلي جهود الآخرين لإعادة بناء الأمة. إن التدين الذي يبني الأمة هو هذا الذي يبقي جزءا من الحياة ولا يبتلعها ابتلاعا.

السؤال الخلاصة: كيف يمكن أن نتصور المخرج مما نحن فيه دون أن نحصل ابتداء على التحرر من التبعية السياسية والفكرية، كشرط من شروط التحرر في الدنيا والدين على السواء؟

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث