القذافي برداء خليجي

القذافي برداء خليجي

تاج الدين عبد الحق

في العادة، تتجنب دول الخليج ردات الفعل العصبية، واتخاذ مواقف حادة، وتعتبر أن الخلافات فيما بينها خلافات محكومة، إما بالإرث الطويل، من العلاقات الاجتماعية والتداخل الأسري، أو بالمصالح المشتركة والضرورات الأمنية، التي تمنع تفاقم الأزمات مهما كبرت وتحد منها مهما تعقدت.

لكن يبدو أن القرار الذي اتخذته دولة الإمارات والسعودية والبحرين، بقطع علاقاتها الدبلوماسية بقطر، كان الحجر الكبير الذي رمته الدول الثلاث في مياه أزمة صامتة مزمنة، عانت فيها دول المنطقة من مزاج قطري متقلب، وسياسات متناقضة، لم تترك وراءها في كل مرة سوى علامات استفهام كبيرة، وعلامات تعجب أكبر.

البيان الذي تناول قطع العلاقات، لا يرسم كامل الصورة، ولا يشرح كل التفاصيل، بالرغم مما فيه من مواقف سياسية جديدة، وغير مألوفة. لكن يبدو أن ما خفي تحت كلمات البيان أكثر بكثير من أي استنتاجات وأخطر من أي قراءات سياسية مجردة.

ومن يعرف الخليج ومن عايش الطريقة التي تصاغ بها القرارات الكبرى، يدرك أن الأمر أبعد من ضيق بسياسات طائشة. وأكثر من شغب وضجيج إعلامي برعت قطر خلال السنوات الماضية في إطلاقه، تحت مسميات حرية إعلامية لم يتمتع بها شعبها، وخيارات سياسية لم تتح لمواطنيها.

الموضوع كما يبدو من ثنايا البيان ومن المعلومات التي تتداولها المجالس والديوانيات الخليجية، والقريبة عادة من النخب الحاكمة في المنطقة، تقول بأن قطر تمادت في قض مضاجع دول المنطقة فلم تعد تكتفي بالإزعاج الإعلامي والإحراج السياسي، وأقدمت على ما هو أخطر وأفظع فلجأت إلى القيام بأعمال تعرف في المنطقة بأنها من أعمال الإرهاب ومن صوره واشكاله.

شمل ذلك احتضان قيادات إرهابية تخطط وتمول الإرهاب في المنطقة والعالم العربي أو إرسال مغامرين من عناصر الإرهاب لبث القلاقل والشكوك في أنظمة الدول المجاورة والتحريض عليها. وكان القبض على القطري الإخواني في الإمارات، مثالا من بين أمثلة عديده على دور قطري مشبوه في أكثر من دولة خليجية.

لقد ظن كثيرون أن غياب أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي استمرأ لقب قذافي الخليج، وتباهى به زمنا طويلا قبل أن يغادر المسرح السياسي، هو بداية تحول في سياسة الدوحة، وأن مجيء الشيخ الشاب تميم بن حمد آل ثاني سيعيد قطر إلى رشدها، لكن يبدو أن هذا التصور كان تفاؤلا في غير محله، واستنتاجا جانبه الصواب لنصبح اليوم أمام احتمالات ثلاث:

فإما أن قطر تنفذ أجندة ليست من صنعها، و تخطيطها ودورها فيها لا يعدو أن يكون دور الممثل الذي ترسم له حركاته وتعد عليه أنفاسه، حتى إذا انتهى من دور رسم له دور آخر.

وإما أن الامير الابن هو سر أبيه وأنه شرب الصنعة من والده، كما تفعل القيادات الاتوقراطية التي تكون نسخة من آبائها وامتداداً لها.

وإما أن يكون اختفاء الأمير الأب عن المشهد هو نوع من ذر الرماد في العيون، وأن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لايزال هو الحاكم الفعلي وأنه يدير عن بعد كامل ما يدور في قطر من أحداث وما نشهده من حوادث. وفي هذه الحالة فإن دور الأمير الأب ينسجم مع طريقة العمل السري التي برع فيها حلفاؤه من قيادات تيارات الإسلام السياسي المختلفة.

وأيا كان السيناريو الذي يجري تنفيذه، فإن قطر تحاول من خلال هذه الأداور تصفية حساباتها مع جيرانها. فهي تحاول تصفية حسابات مع السعودية التي تتهمها بقضم جزء من أراضيها، وتعمل على تصفية حسابات مع دولة الإمارات التي تجدها منافسا لها في المكانة والإمكانية، وتصفي حسابات مع البحرين التي خسرت أمامها الدعوى الحقوقية في قضية جزيرة حوار.

قطر اليوم في مواجهة خيارين إما العودة إلى جادة الصواب وإصلاح ما أفسدته آلتها الإعلامية ومواقفها السياسية وأجهزتها الأمنية، أو الاستمرار في الغي حتى لو دفعها ذلك، إلى الارتماء في أحضان من يضمرون للمنطقة شرا ويعملون على نشر الاضطراب فيها تحت أسماء سموها هم وأباؤهم دون أن يكون لهم من فضل إلا انتحالها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث