باسم يوسف بالعبرية..!

باسم يوسف بالعبرية..!

نظير مجلي

كان ذلك في اطار برنامج تعليقات إخبارية يدعى “لندن وكرشنباوم”. لندن، هو كاتب إسرائيلي معروف، وكرشنباوم هو سناريست تلفزيوني وكاتب في الكوميديا السياسية. كلاهما تجاوز السبعين من العمر ويقدمان برنامجا مشهورا ومحبوبا، ويقبض كل منهما أجرا دسما يضاهي 20 ألف دولار في الشهر.

وقد عرضا مقاطع من برنامج “البرنامج” مترجمة إلى اللغة العبرية، عبر زاوية يومية ثابتة يقدمها للمشاهدين اليهود مراسل الشؤون العربية في هذه القناة، أساف يحزقيلي. ويحزقيلي هذا كان ذا ميول يسارية ذات مرة، لكنه في السنوات الأخيرة أصبح يهوديا متدينا. وزاد إلى اهتماماته زوايا تطعن بالعرب وتبرز صراعاتهم الداخلية من خلال ما يقوله العرب للعرب وعن العرب. فيصطاد مظاهر سلبية عديدة إلى جانب قلة من المظاهر الايجابية.

لكن عرضه لمقاطع من برنامج باسم يوسف، جاء في إطار البحث عما يرسم ابتسامة على وجنتي المشاهد الإسرائيلي من الاخفاقات العربية. وقد وجد في لندن وكرشنباوم دفيئة ودية حميمة، لأنهما وقعا في الماضي ضحية للرقابة السياسية القمعية ضد الفن. ففي يوم من الأيام، خلال سنة 1975، كان كرشنباوم كاتبا اساسيا لبرنامج تلفزيوني يدعى “نيكوي روش” وتعني بالعبرية “غسيل دماغ”، وهو شبيه ببرناج “البرنامج” الذي يقدمه باسم يوسف. كوميديا سياسية ساخرة، حادة وقاسية جعلته موضع خلاف شديد في المجتمع الإسرائيلي.

فقد اعتبره المدافعون عن الحكومة “جلد ذات لا يخدم سوى العدو” وطالبوا بإلغائه. واعتبره أنصار حرية الابداع والفن “ابداعا حرا” وأعلنوا الحرب على “قوى التخلف والرجعية” وحذروا من المساس به. وفي حينه عرضوا حلقة حادة بشكل خاص، إذ دارت أحداثها في “مسلخ” لذبح الحيوانات. وأظهروا ممثلا يلعب دور رئيس الحكومة، اسحق رابين، وراحوا يقطعون أذنيه “حتى لا يسمع معاناة الناس” ويقطعون أنفه “حتى لا تضايقه رائحة العفن في مؤسسات حكومته”. فتقرر وقف، وعمليا إلغاء البرنامج، بدعوى أنه يحتوي على تحريض لقتل رابين.

ولكن هذا الالغاء لم يوقف الكوميديا السياسية الساخرة في إسرائيل، بل جعلها فنا سائدا يمارسه عشرات الفنانين اليوم. وهي سخرية قاسية جدا على القادة السياسيين تملأ المسارح الإسرائيلية.

كرشنباوم ولندن، غرقا في الضحك وهما يشاهدان باسم يوسف، فتذكرا وذكرا ما حصل لبرنامجهما القديم “غسيل دماغ”. وطلبا من المراسل يحزقيلي أن يوافيهما بتطورات الموقف المصري من برنامج باسم يوسف، قائلين إنه يشكل “الباروميتر” لحقيقة الديموقراطية المصرية. فإذا لم تستطع السلطات المصرية تحمل هذه الكوميديا، فذلك يعني أنها لا تثق بنفسها ولا تتبنى فكرا ديموقراطيا حقيقيا. ووعدهم يحزقيلي بذلك وصار يقدم مقاطع من برنامج “البرنامج” في كل أسبوع، وهو يشير في كل مرة إلى أنه غير واثق من ان مصر ستسمح باستمرار هذا البرنامج ويذكر أن باسم يوسف صار يسير في شوارع القاهرة مع حراسة مشددة.

إسرائيل ليست الوحيدة التي تهتم بهذا البرنامج، ففي الغرب كله يتابعونه. وليس سرا أن الكثيرين يتمنون أن يتم قمعه واعتقال صاحبه، حتى يقيموا الاحتفالات بفشل الديموقراطية المصرية. والفنان الفذ باسم يوسف، يتحول عندهم إلى باروميتر للأجواء السياسية في عالمنا العربي كله وليس مصر فحسب. وهم يلاحظون مثلنا أن من صفق لباسم يوسف عندما أدخل الرئيس محمد مرسي إلى مسلخ برنامجه، هم الذين يهاجمونه اليوم لأنه يدخل المشير عبد الفتاح السيسي إلى المسلخ نفسه اليوم. وهذا وحده كاف للحكم على باسم يوسف، أنه فنان أصيل. يقارع السلطة ايا كانت.

وبغض النظر عن أهداف ونوايا باسم يوسف، فإنه ببرنامجه هذا يدافع ليس فقط عن مصر والمصريين، بل يدافع عن السيسي، أيضا في وجه الغرب الذي لا يحبه. فهو عندما ينتقد المذيعين الذين ينافقون السيسي لدرجة الهوس، إنما يقدم خدمة جلى له. فالمنافقون للقائد هم أخطر عليه من الأعداء. وباسم يوسف يحمي السيسي من هؤلاء، الذين يحاولون جعله زعيما فوق البشر. فالسيسي هو قائد مصري وطني يؤدي دورا تاريخيا في إنقاذ مصر من التدهور إلى عهد الظلام. ولكن، ولكي يظل أمينا لطريقه ومخلصا في خدمة الشعب المصرين يحتاج إلى من ينتقده عندما يخطئ ويصرخ أمامه عندما يبالغ ويطلعه على حقيقة موقف الناس منه حتى لا يبتعد عن الناس.

نعم، وفي هذا يخدم باسم يوسف وأمثاله، ليس مصر فحسب بل العالم العربي كله والإنسانية جمعاء. فالكوميديا السياسية الساخرة، هي فن عظيم ينتشر في العالم كله، وبضمن ذلك في عالمنا العربي. وباسم يوسف ليس أول من يمارسها. إنها فن متطور جدا في لبنان، وله جذور عميقة في الفن المصري، وعادل إمام ومحمد صبحي هما مثل على ذلك منذ عشرات السنين، وبمحاذير معينة في الفن السوري، دريد لحام وياسر العظم، وغيرهما من الفنانين العرب في كل مكان. فإذا بالغ باسم يوسف في مشهد ما وقدم صورا مزعجة للذوق الفني في مشاهد أخرى، فإن جوهر برنامجه مهم لمصر والعرب أجمعين، بل هو صحي جدا من أجل بناء جسم سياسي سليم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث