القرضاوي يستنسخ القاعدة

تصريحات القرضاوي للجهاد في سوريا ترهن الثورة السورية بمشروع حزبي ، وتعيد إنتاج المشهد الأفغاني بكل ما سببه من نتائج كارثية طالت المسلمين أكثر من غيرهم

القرضاوي يستنسخ القاعدة

تاج الدين عبد الحق

إبتداء ، وحتى لايتعجل أحد التصنيف ، وإطلاق الاحكام ، وكيل التهم المسبقة التجهيز ،  فإن ما قام به النظام السوري ، وما يقوم به منذ مسرحية إعتلاء  بشار الاسد سدة الرئاسة  خلفا لوالدة ، مدان بكل المقاييس السياسية والقانونية والانسانية ، كما أن الوقوف إلى جانب الشعب السوري في مطالبه المشروعة بالحرية والديمقراطية وحقوقه الانسانية الاساسية ، أمر غير قابل للمناقشة ، أو المساومة ، أو الحلول المبهمة التي تمسخ  تلك المطالب،  أوتتحايل عليها .

هذه المقدمة تبدو ضرورية لمناقشة تصريحات الشيخ يوسف القرضاوي الأخيرة، التي دعا فيها القادرين من المسلمين  للجهاد في سوريا ، كما أنها مدخل لا بد منه حتى  لا يشكك أحد في صدقية موقفنا الداعم لنضال الشعب السوري ، وحقه في استعادة حريته وكرامته التي سلبها له النظام طويلا ،  تحت دعاوى الممانعة،   وباسم المقاومة . لكن هذا الموقف لايمكن أن يحجب عنا ما في تصريحات القرضاوي من خطورة وتهديد لا على سلامة سوريا وعلى حركة المعارضة النبيله فيها فحسب بل في الكيفية التي يتم فيها إقحام الاسلام السياسي وبأي غايات وأي أهداف .

فالقرضاوي عندما يحرض الشباب المسلمين للذهاب لسوريا للقتال إلى جانب المعارضة السورية، بإعتبار ذلك واجبا دينيا ، يضع المعارضة ضمن قياسات حزبية وايدولوجية محددة ، في حين أن هذه المعارضة تضم طيفا واسعا من القوى السياسية،  والفكرية التي تعكس تركيبة المجتمع السوري وآماله  وتطلعاته . والواضح أن إقحام البعد الديني هنا  يستهدف في المدى البعيد الاستئثار ، وتحويل مسار الثورة السورية من ثورة  شاملة تشارك فيها جميع القوى الحية في المجتمع السوري ، إلى حركة  حزبية أو تنظيمية ضيقة تكون لها الغلبة في تشكيل مستقبل سوريا وتحديد ملامحه .

كذلك فإن دعوة القرضاوي  فضلا عما فيها من إنتقاص للمعارضة السورية كحركة جماهيرية قادرة على استقطاب ورفد الثورة بما تحتاجه من موارد بشرية ، فإنها من خلال استدعاء الخارج الاسلامي  ترهن هذه الثورة بمشروع  إ قليمي وربما عالمي يستهدف ربط الانظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المنطقة  ، على اسس ايدولوجية وحزبية تقوض مشروع الدولة المدنية ، وتفتح باب الخلافات  الدينية والمذهبية ، والتي قد لا تتوقف عند الخلافات التقليدية النظرية فحسب بل تطال التطبيقات والتفاسير  الأضيق والتي نرى ارهاصات لها في الخلافات بين قوى الاسلام السياسي في مصر والتي وصل حد تكفير بعضها البعض الآخر .

والغريب في تصريحات القرضاوي أنها تسنسخ تنظيم قاعدة جديد ، أو تخلق إمتداد له ، و تعيد إنتاج المشهد الأفغاني ، الذي بدأ بالدعوة إلى نصرة المجاهدين على المحتلين الروس،  ثم ما لبثت هذه الدعوة التي استغلت عواطف دينية بريئة ، أن تشعبت في المقدرات والأهداف ، لتطرح نفسها كتنظيم عالمي ، يحصر الإسلام بأطر سياسية،  وإجتماعية ضيقة ،  لم تكن في طبيعتها،  أو مقدورها  استيعاب مافي العصر،  من متغيرات فكان ما كان من نتائج كارثية طالت المسلمين أكثر مما طالت غيرهم .   

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث