“الهيل” بين التحشيش والتحليل

“الهيل”  بين التحشيش والتحليل

تاج الدين عبد الحق

يعيد الدكتور علي الهيل، الأكاديمي القطري، في مقاله بجريدة القدس العربي اللندنية يوم 27 يناير الجاري، قراءة تاريخ العالم العربي والإسلامي، ليخلص عبر تساؤلات يطرحها من أول المقال وحتى نهايته إلى أن هذا التاريخ لم يكن إلا سلسلة من المؤامرات الغربية، التي رسمت وصممت للرد على إنجازات المسلمين وانتصاراتهم، ابتداء من انتصار الرسالة المحمدية، وفتح خيبر على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام 638 م، ومرورا بفتح الأندلس عام 711 م، ومعركة حطين عام 1187 التي قادها صلاح الدين الأيوبي وحرر بعدها القدس.

ولولا الخوف من الملاحقة القانونية، لقلت، إن التحليل الذي تقدمه تلك التساؤلات،هو أقرب لأحاديث غرز الحشيش إياها التي تهيم وتسرح بعيدا عن الواقع متوهمة أمورا وأشياء لا رابط بينها سوى تخيلات وتصورات غير واقعية، وهو أمر غير مقبول من رجل يفترض أن له مكانة أكاديمية وعلمية ،لا يطرح رأيا ولا تساؤلا إلا بميزان الموضوعية وبأسلوب العلم لا الردح.

وحتى لا يؤخذ الكلام على عواهنه، فإن تحليل ” التحليل” الذي أورده الدكتور الهيل في مقاله يقتضي التوقف عند أسلوب التساؤلات التي جعلها وسيلة لعرض أفكاره، لتجيء كمن يتحوط مسبقا لأي استهجان قد تثيره تلك التساؤلات، أو ما تصل إليه من استنتاجات، فيطرح السؤال بحيث تنسب الإجابة المفترضة عنه لآخرين ‘ فهي مرة ” لكثير من ” مفكري الغرب” دون أن يسميهم ” أو لإشاعات دون أن يحدد مصدرها أو افتراضات دون أن يدلل على عناصرها .

بناء على ذلك يقول الهيل في تساؤلاته الواردة في المقال بأن الانتصارات الإسلامية هي، الأساس والبوصلة التي وجهت الغرب وحكمت سلوكه السياسي في العالم الإسلامي وعلاقاته الدولية به، وكأن الغرب، بدوله وطوائفه وأيدلوجياته، كان يتحرك على الدوام وعبر مختلف مراحل التاريخ، ككتلة واحدة وضمن سياسة واحدة مرسومة، متجاهلا بذلك الحروب التي وقعت بين الدول الغربية نفسها،وبينها حربان عالميتان، استخدمت فيهما أسلحة نووية ومات فيها خلق كثير واندثرت بسببها دول، وممالك كثيرة وقامت حروب أهلية لم يسلم منها الغرب إلى الآن.

وبناء على هذا الافتراض الخالي من أي منطق وأي سند، يطرح الهيل متسائلا عن صحة ما يقال بأن الانتصارات الإسلامية في خيبر، وفيما بعد الأندلس، كانت وراء استزراع الغرب بقيادة بريطانيا للكيان الصهيوني في فلسطين، وما إذا كان ذلك الاستزراع هو الذي أسس لكل الحروب والويلات التي مر بها العالم العربي منذ ذاك وحتى اليوم. ودون أن يعطي إجابات، يسهب الهيل في أسئلته ليتناول من خلالها كل مفصل من مفاصل التاريخ العربي الحديث.

ولإعطاء مشروعية لتساؤلاته الافتراضية، ينقل مثلا، عن جهات لم يسمها وصفهم لحرب حزيران 1967 “بحرب خيبر ” تأكيدا -حسب استنتاجاته- بأن تلك الحرب كانت حربا انتقامية من عقدة خيبر، ليواصل بعد ذلك عملية تسكين الأحداث والأشخاص، والروايات بما يتفق مع الافتراضات الأساسية فيتناول دور الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، باعتباره الأداة الغربية التي استخدمت لكسر أي وحدة محتملة بين مصر والشام وذلك لتجنب هزيمة مذلة كتلك الهزيمة التاريخية التي لحقت بالغرب إبان الحروب الصليبية. ويتحدث بإسهاب عن الدور الذي لعبه حافظ الأسد عندما كان وزيرا للدفاع في تسهيل احتلال الجولان، ودوره فيما بعد بوضع نهاية للرئيس العراقي صدام حسين بعد أن وقف مع الامريكيين في “العدوان الاربعيني ” الذي شن على العراق.

كما يتناول الدكتور الهيل ما اعتبره تراجعا وندما من الملك فيصل بن عبد العزيز عن عدائه لعبد الناصر بعد أن أدرك حجم المؤامرة الغربية، التي حيكت ضد الرئيس الراحل.

ويقفز الهيل للوضع في سوريا حاليا، باعتبار أن التطورات الجارية هناك، جزء من تداعيات الدور التاريخي الذي أوكل للأسد الأب، بموجب صفقة تعطي للطائفة العلوية حكم سوريا. ويستطرد وهو يسرد تلك التداعيات وعبر أسلوب التساؤل الذي اعتمده المقال من بدايته، ليقول، إن الفشل في فرض منطقة حظر الطيران في سوريا تم بإيعاز من منظمة الايباك اليهودية التي تشكل مجموعة الضغط الرئيسية المناصرة لإسرائيل في الولايات المتحدة.

ويقول بأسلوب التساؤل إياه، إن ما يصفه بالانقلاب على نتائج صناديق الاقتراع في مصر كان مدبرا من الغرب والصهيونية لعدم وصول أية ديمقراطية يمكن أن تأتي بنظام إسلامي. ويتمادى الدكتور الهيل في تساؤلاته التي يطرحها كما لو أنه بريء من صياغتها وافتراضها وتوجيه القاريء لما يريده من ورائها، ليصل إلى جملة من الأحداث والحوادث الخاصة بأوضاع داخلية عربية، ليعتبرها دليلا أو شاهدا على ما يقول أو ما يطرح من تساؤلات، فيعتبر مثلا أن معارضة مشروع القطار العالمي الذي طرحه اردوغان جزء من المؤامرة التاريخية التي بدأت ارهاصاتها غداة فتح خيبر، وأن حضور اسرائيل لمؤتمر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة التي تتخذ من ابوظبي مقرا لها، دليل على صدق الإشاعات عن قرب إقامة علاقات بين دولة الإمارات واسرائيل.

وبدون مناسبة ودون أي تسلسل منطقي لا من حيث الصياغة ولا من حيث الفكرة يحشر ما أسماه ” ظهور نجم الشيخ محمد بن زايد ولي عهد ابو ظبي، كعدو شرس لقيام حكم إسلامي من أي نوع ورغبته في “تغليب المذهب الصوفي “، — هذا مع العلم أن الشيخ محمد بن زايد ودولة الامارات عموما لم يخفيا يوما موقفهما المعادي من محاولات بعض القوى الإسلامية وخاصة الاخوان المسلمين الوصول للسلطة–، حتى قبل انعقاد مؤتمر الوكالة المتجددة في أبوظبي بل وحتى قبل اتخاذ هذه الوكالة من أبوظبي مقرا لها ، فضلا عن أن الموضوع برمته موضوع تقني لا سياسي، وقد سبق لاسرائيل أن شاركت في تجمع دولي مماثل على أرض الإمارات وهي اجتماعات الصندوق الدولي التي عقدت قبل سنوات في دبي كجزء من التزامات الإمارات بموجب قرار استضافة الاجتماعات السنوية للصندوق فيها.

تساؤلات الدكتور الهيل بعد ذلك، لا تنقطع، فتطال الاتفاق الغربي مع ايران بشأن برنامجها النووي، وتعتبره جزءا من مؤامرة هدفها تكريس التفوق الرسمي السوري على المعارضة السنية المسلحة وذلك توطئة لإقامة محور إيراني سوري روسي مصري إماراتي هدفه إقناع الغرب بأن الجماعات التي تحارب نظام الأسد هي جهات جهادية معادية لأمريكا والغرب واسرائيل.

مقال الدكتور الهيل كان مرهقا لأن الربط بين فقراته وبين ما ورد فيه من افتراضات وما خلص إليه من نتائج، عملية شاقة فضلا عن أنه يزيد من ” دوز التفسير التآمري للتاريخ ” ليجعله أقرب للتحشيش منه للتحليل.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث