تسميم عرفات وتسميم فلسطين..!

تسميم عرفات وتسميم فلسطين..!

نظير مجلي

شاركت، في الأسبوع الأخير، في ندوة داخلية في مؤسسة ياسر عرفات في رام الله، حول قضية تسميم الرئيس الفلسطيني الراحل وأين وصلت تحقيقات اللجنة الفلسطينية في الموضوع. وهذه لجنة، عينت متأخرا، قبل سنتين (أي بعد ست سنوات من وفاة عرفات)، وخلال هذه الفترة توفي عدد غير قليل من الشهود وانمحت آثار كثيرة. وأصبحت مهمة اللجنة صعبة للغاية. لكنها تقوم بها بمهنية عالية، واتزان، بغية معرفة الحقيقة.

لست مخولا لكشف وقائع ندوتنا، حيث هناك من سيحدد ما سينشر منها وما لا ينشر. إلا أن السطر الأخير للتحقيقات يشير إلى أن مادة السم كانت إسرائيلية وأداة التسميم، أي الشخص الذي استخدم للتسميم، المُسَمِّمَ، كان فلسطينيا.

اللجنة تحتاج إلى سنة أخرى من التحقيق حتى تعلن النتيجة النهائية، وهذه ستكون درامية من دون شك، ومليئة بالمفاجآت. ودعونا نصلي لأجل عدم وقوع أحداث تقضي على هذا التحقيق. فمعرفة الحقيقة حول وفاة عرفات هي قضية مهمة ليس للشعب الفلسطيني وحده. والقوى التي ستكون معنية بأن لا تخرج هذه الحقيقة إلى النور، كثيرة وقوية وصاحبة نفوذ كبير.

إلا أن هناك قضية تسميم أخرى تتعرض لها فلسطين وقضية فلسطين برمتها، ولا تستحوذ منا على الاهتمام الكافي.

فالشعب الفلسطيني يعيش اليوم فترة بالغة الأهمية في حياته. ولولا أن كلمة “مصيرية” أصبحت مستهلكة، لقلنا إنها مرحلة مصيرية فارقة. فهناك مفاوضات حقيقية، مريرة وشرسة، تدور حول تسوية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. الوزير الأمريكي، جون كيري، يبذل جهودا غير مسبوقة في سبيل النجاح في المهمة.

والكثير من الشخصيات التي شاركت في الماضي في مفاوضات حول القضية، وبينهم عدة معارضين تقليديين للولايات المتحدة وبعضهم يتحدثون عنها حتى اليوم بلغة “الإمبريالية الأمريكية”، يؤكدون أن الإدارة الأمريكية لم تكن جادة في مساعي تسوية هذا الصراع منذ بداية الصراع، مثلما هي جادة اليوم. كيري جلب إلى إسرائيل 160 موظفا كبيرا ينفذون أعمالا ميدانية تصعق المسؤولين في حكومة نتنياهو. يجمعون المعلومات ويدرسون الأوضاع على الأرض وكلما يعترض طرف على اقتراح، وغالبا يعترض الإسرائيليون، يطرح الأمريكيون أمامهم حلولا مهنية وجذرية ومدروسة. ويظهرون معرفة عميقة بكل تفاصيل الصراع.

فعندما يقول نتنياهو إنه لن ينسحب من غور الأردن، لأن الوجود الإسرائيلي العسكري مصيري ولا يمكن لأي عاقل في إسرائيل أن يتنازل عنه، يقدم الأمريكيون مذكرات أعدت سابقا ووقع عليها عدد من كبار الجنرالات السابقين في الجيش الإسرائيلي، تثبت أن الوجود الإسرائيلي في غور الأردن غير ضروري، وأن إسرائيل لا تمتلك وسائل قتالية حديثة على آخر طراز، وبإمكانها إزالة أي خطر عليها. وهكذا في مختلف القضايا.

ولكن المفاوضات السياسية لتسوية الصراعات، تتعلق ليس فقط بالعدالة والمنطق وليس فقط بمدى جدية الوسيط، بل يوجد فيها وزن كبير لتوازن القوى.

والطرف الفلسطيني ضعيف، ليس فقط بقدراته العسكرية والاقتصادية، بل أيضا ضعيف بقاعدته الشعبية. فالانقسام الفلسطيني هو سم خبيث قاتل. والحروب الفلسطينية الداخلية هي سم قاتل. والمفاوض الفلسطيني يتوجه إلى غرفة المفاوضات والسكاكين تطعن في ظهره. لا أحد يعجبه أي شيء. والتشكيك “قايم قاعد”. وهذا أيضا سم فتاك.

قد يكون عرفات مات مسموما، وهذه قضية يجب ان تكشف فيها كل الحقائق. ولكن عرفات ليس شخصا وليس قائدا تاريخيا فحسب، بل هو قضية شعب. والانقسام الفلسطيني والتمزق داخل البيت الفلسطيني سم قاتل بنفس الدرجة إن لم يكن أكثر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث