محمد بن راشد يخرج عن النص

محمد بن راشد يخرج عن النص
المصدر: تاج الدين عبد الحق

اعتاد الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أن يفاجئ الناس بكثير من المشروعات والأفكار التي تصنف ضمن فئة السهل الممتنع. فهي وإن بدت، للوهلة الأولى في متناول الجميع، تظهر عند الاقتراب منها وفهم الجهد الذي بذل في الإعداد لها، ورسم خيوطها وتحديد مخرجاتها، أنها من النوع الذي لا يقدم عليه إلا اصحاب الهمم العالية، والقلوب القوية، والعقول الواعية .

رأينا ذلك في مناسبات عديدة، ومشاريع ومبادرات مختلفة؛ مثلا عندما أطلق معرض الطيران في دبي قبل ما يقرب من ثلاثة عقود ليصبح في غضون سنوات واحدا من سلسلة معارض عالمية متخصصة تنظمها دبي في ميادين الكمبيوتر والإنشاءات والعقارات وغيرها من المعارض المتخصصة التي باتت تصنف اليوم، باعتبارها من أهم المعارض الدولية على مستوى العالم.

رأينا ذلك أيضا في مهرجان دبي للتسوق الذي سرعان ما أصبح نموذجا تحاكيه دول ومدن في داخل الإقليم وخارجه بمهرجانات ونشاطات تسوق لم تنجح أي منها في تحقيق عشر ما حققه المهرجان الأم .

أطلقت دبي مدينة الإنترنت لتصبح قاعدة إضافية للتجارة تكرس دبي قبلة تجارية إقليمية ومركزا لتجارة إعادة التصدير في المنطقة. طورت المدينة الإعلامية فاستقطبت الكبار الكبار من وسائل الإعلام العربية والدولية .

أعطت لحركة الطيران العالمية بعدا جديدا عندما أنشأت شركة طيران باتت واحدة من بين أهم اللاعبين في هذا المجال، طورت مطارات وموانئ بدت عند الإعلان عنها أقرب إلى المغامرة غير المحسوبة، لتصبح بعد ذلك أنموذجا وهدفا يلهث الآخرون للحاق به والوصول إليه .

دخلت دبي نطاق المنافسة العالمية عندما أخذت المشاريع العمرانية فيها تنافس الأضخم والأعلى على مستوى العالم، فكان برج خليفة الذي بات أطول ناطحة سحاب في العالم. نافست الكبار على استضافة معرض إكسبو 2020 وتفوقت في التصويت على عواصم ومدن عريقة كانت حواضر عالمية عندما لم تكن دبي قد وجدت لنفسها مكانا على الخريطة.

اختصر محمد بن راشد المكتوم تجربة دبي بقصة السباق بين الأسد والغزال اللذين يبدآن يومهما بالعدو. أسد يعدو وراء غزال حتى يظفر بصيد يوفر له الاستمرار بالحياة، وغزال يعدو هربا من أسد للنجاة من الموت.

الحديث عن مفاجآت دبي اليوم ليس حديثا خارج السياق؛ فله مناسبة؛ فكل ما أنجزته دبي على الصعيد الاقتصادي بدا وكأنه ثمرة لابتعادها عن السياسة وحبائلها وألاعيبها، لكن التصريحات التي أدلى بها الشيخ محمد بن راشد لـ بي بي سي تقلب المعادلة لتؤكد أن السياسة مهما ابتعدت تظل في صلب العمل الاقتصادي مهما طغى وابتعد .

التصريحات التي أدلى بها الشيخ محمد بن راشد تحمل رغم طبيعتها السياسية نكهة المفاجأة التي عودنا عليها عندما كان يعلن عن مفاجآته ومبادراته الاقتصادية، وفيها خروج عن النص الخليجي الذي اعتدنا دائما أن يكون متحفظا يراعي الحساسيات والمواقف .

الصراحة التي تحدث بها محمد بن راشد تعبر عن ثقة عالية بالنفس وتقدير واع للموقف الوطني والإقليمي والدولي؛ عندما تناول الأوضاع في الدول العربية التي تشهد توترات. بدا أقرب إلى المواطن العربي الغيور، فسمى الأشياء بمسميات غير مألوفة في التصريحات الرسمية ولم يحاول أن يلعب على العواطف عندما تناول مستقبل العلاقة مع إسرائيل. لم يردد لاءات جديدة أو يكرر لاءات قديمة بل شرح موقفا معروفا ومقبولا من الغالبية العظمى من العرب، فحدد معادلة هي في جوهرها أقوى من اللاءات العربية السابقة واللاحقة. معادلة واضحة وبسيطة السلام قبل التعاون.

في الشأن النووي الإيراني بدا متفائلا بنجاح الاتفاق الذي وقعته طهران مع الغرب، لكن هذا التفاؤل لم يكن مبنيا على استقراء بعيد لمواقف الأطراف المعنية، بل بناء على مقاربة ذاتية، بدأها الشيخ محمد شخصيا مع الإيرانيين قبل سنوات وقبل أن تكون هناك محادثات بين الطرفين الإيراني والغربي

عن مصر لم يحاول المجاملة ، قال إنه يفضل بقاء السيسي على رأس المؤسسة العسكرية دون أن يشكك في قدرته على قيادة السفينة السياسية إن أراد الترشح للرئاسة أو اقتضت الظروف ذلك.

حول سوريا قال ما يقوله كل عربي غيور لم يعد للأسد مكان لكن التغيير هو بيد السوريين ولا نية لتدخل إماراتي في الشأن السوري إلا بالحدود التي تساعد السوريين على الخروج من الأزمة أو مواجهة تداعياتها وآثارها.

تصريحات محمد بن راشد من النوع الذي لايمر مرور الكرام بل يثير وراءه الكثير من الجدل الذي يؤكد أن النجاح الاقتصادي لابد أن تكون له تعبيراته السياسية التي تكرس ذلك النجاح وتكمله.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث