ظلم الحمير..!

ظلم الحمير..!

أحمد مصطفى

مع التراجع الذي تشهده كثير من مجتمعاتنا العربية في اللغة والمعرفة والذوق، والثقافة عموما، يشيع انتقاد الناس لبعضهم بالسب “يا حمار/حماره” أو “أنت حمار/حماره”. والقصد من السب هنا، وهو بالمناسبة ليس موجودا لدى مجتمعات أخرى كثيرة عرفتها بالعيش بينها أو زيارتها، اتهام من تنتقده بالغباء والعجرفة الفارغة وغير ذلك من الصفات السلبية.

ولأني خبرت التعامل مع الحمير مباشرة في سنوات عمري الأولى وأنا أفلح أرضنا في إحدى قرى ريف مصر، وعرفت عنها الكثير من آخرين بعد ذلك ممن خبروا تلك الصفات بشكل مباشر، فيمكنني أن أدافع عن الحمير وأحاول نفي تلك الصفات عنها.

فالحمار حيوان ذكي جيد التقدير، قد يتسم بالعناد أحيانا لكنه ليس غبيا. فإذا وضع الفلاح على ظهر حماره حملا أكثر من اللازم، لا يتحرك به الحمار مهما أشبعه صاحبه ضربا. ذلك أن الحيوان يقدر ـ ربما أفضل من صاحبه ـ ما يمكنه حمله والسير به إلى هدفه دون أن يثقل عليه فيقع به أو يعثر فينثر ما على ظهره.

كما أن الحمار أفضل تقديرا من البشر أيضا لما يمكنه القيام به، فمهما فعلت لن يقفز الحمار قناة الماء في الحقل وعلى ظهره حمولة إذا لم يكن واثقا من أنه يستطيع القفز بسلام ـ وربما من هنا جاء المثل الريفي المصري القديم “امشي سنة ولا تخطي قنا”.

وإذا سار الحمار في طريق حفظه تماما، وأذكر ونحن صغار أن أهلنا كانوا يضعوننا على ظهر الحمار ويوجهونه على طريق يسلكه ليأخذنا إلى قرية مجاورة فيها “الترزي” الذي يخيط لنا ملابس العيد والمدرسة. ولم نكن نعرف الطريق، لكن الحمار كان يقف بنا في النهاية أمام “دكان الترزي”.

ومما يذكر عن الحمار ايضا (وإن لم أتأكد من ذلك شخصيا) أنه لا يمكن أن يأكل من عشب سام ويشرب من ماء آسن ضار. فكان يقال إذا سلكت دربا صحراويا خذ معك الحمار وكُلْ مما يأكل منه، واشرب مما يشرب منه وانت آمن.

كما أن الحمار هو أفضل كاشف حي للألغام، وكان يستعمله المقاومون الفلسطينيون لنقل السلاح والعتاد من غور الأردن إلى فلسطين المحتلة ويمشون وراءه تفاديا للألغام التي زرعها الصهاينة. وحتى الآن تستخدم الحمير في نقل المخدرات في المثلث الشهير ما بين افغانستان وجيرانها في شمال الغرب، لأن الحمار يستطيع تفادي الألغام المتخلفة عن الحروب الكثيرة من الاحتلال الانجليزي إلى السوفييتي إلى ما بعده.

وهناك خصال أخرى تنسب للحمير لست متأكدا منها تماما، لذا نتركها لمن يرغب في مزيد من البحث. ولعل فيما تقدم ما يكفي لنكف عن إتهام هذا الحيوان الجيد والمفيد بصفات سلبية وممارسات خاطئة يرتكبها بعض البشر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث