الأردن يخشى مفاجآت التسوية

الأردن يخشى مفاجآت  التسوية

عدلي صادق

ركزت صحافة الأردن خلال اليومين الماضيين (منذ 6/1/2014) على التنبيه لمخاطر غياب المملكة الأردنية عن سياقات التفاوض غير المباشر، الذي يقوده وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، لأن “البلد” يتأثر قطعاً وسلباً، بأية محددات للتسوية لا تأخذ مصالحه بعين الاعتبار، بخاصة تلك المتعلقة باللاجئين ومسائل جيوسياسية أخرى.

وكان واضحاً، من حديث رئيس الوزراء الأردني عبد الله النسور، أن التنبيه الذي تكفلت به الصحافة، لا يتعلق بمسألة أخذ العلم. فالرجل يقول إنهم في الأردن يعلمون حقيقة ما يجري، وأنهم يحاطون علماً أولاً بأول. لكن ما تقوله الصحافة، يفصح عن حرص الأردن على أن يكون حاضراً قبل أن يصبح “العِلم” علماً، على اعتبار أن الإبلاغ غير كافٍ. ونعتقد أن هذا مطلب أردني مُحق!

فمثلما نعرف، لا تجتمع الصحافة (الموصولة بالدولة على هذا النحو أو ذاك) على تناول أمر واحد، في وقت واحد، وبوجهة نظر واحدة متطابقة؛ إلا وقد جاءها الإيحاء من المستوى السياسي. وتصلح هذه كإشارة، يتعين أن يقرأها المستوى السياسي الفلسطيني جيداً. لكن جوهر التشكي الأردني، ليس موجها إلى الجانب الفلسطيني كما نعتقد، وإنما للأمريكيين، وللإسرائيليين تالياً. ولو كان الأمر يتعلق بالقيادة الفلسطينية، فإن الأردن ومصر ينبغي أن تكونا حاضرتين أثناء طرح جون كيري لمقارباته وقبل وأثناء وبعد سماع جواب الرئيس عباس عليها.

فمن نافل القول، إن بعض ملفات مسائل الحل النهائي، تُعتبر قضايا رأي عام في الأردن بحكم تداخل القضايا، وهي كذلك من زوايا أخرى في مصر وفي العالم العربي. ومن المفارقات أن الصحافة التي تعكس وجهات نظر الأطياف المتعددة والحساسيات في الأردن؛ اجتمعت على الموقف الذي يلمح إلى غياب الأردن عن المشاركة وإلى أنه هو الذي سيتأثر ــ سلباً أو إيجاباً ــ بمخرجات عملية التفاوض عبر الوسيط جون كيري!

الصحافة الأمريكية، من جهتها، قالت عن نفسها أنها تعلم وأن لديها مصادرها. وحدها صحافتنا التي لا يُقال لها شيء خاص، تنقله عنها وكالات الأنباء. فصحيفة “واشنطن بوست”اليمينية، أبلغتنا في افتتاحية الثلاثاء (قبل يومين) أنها تشك في امكانية نجاح كيري في مسعاه بعد عشر جولات إلى المنطقة. وألمحت إلى وجود “موال” لدى الإدارة الأمريكية التي تجاهلت ملفات دولية أكثر الحاحاً وركزت على نتنياهو وعباس.

وفي الواقع، وبحكم معرفتنا لمواقف “واشنطن بوست” ولأنها تصب من مزاريب الأوساط الصهيونية، نتوقع انها تلقت تسريبات، وأرادت تخفيف ما تعتبره ضغوطاً على نتنياهو، لكي يتزحزح قيد انملة عن مواقفه العقيمة والصماء. وبالطبع تهللت “واشنطن بوست” لما تراه فشلاً لمهمة جون كيري، كأنها تقول له بطريقة غير مباشرة، إلعب في الساحات الخطيرة بعيداً عن إسرائيل، ولا تتشاطر على نتنياهو الذي يتكفل بالحفاظ على المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة. وقالت هذه الصحيفة، وشاركتها الرأي العديد من الصحف ومحطات التلفزة، إن وزير الخارجية الأمريكي، لم يشأ العودة بدون أية نتائج. لذا ركز في الآونة الأخيرة، على “اتفاق إطار” تنتهي به فترة الأشهر التسعة المحددة للمفاوضات، على أن يرسم هذا الاتفاق ما سماه كيري “مباديء” حل القضايا المركزية، بحيث تُترك التفاصيل لمفاوضات لاحقة.

ولما كان لافتاً بالنسبة لجون كيري وإدارة أوباما، أن الرئيس عباس كلما تضاءل المطروح عليه أو كان باهتاً، يلجأ إلى العرب لأخذ غطاء سياسي منهم؛ فإن وزير الخارجية الأمريكي بات معنياً بالشيء نفسه، وهو عمل الجولات لأخذ غطاء لتلبية “العروبة” للغطاء، في حال أن طلب الرئيس عباس، أو لحياكة غطاء سوف تتطلبه برودة المنخفض، في حال لم يطلب الرئيس عباس!

هنا يتبدى من جديد أسلوب الأمريكيين وتحايلهم. وبالمناسبة، وبما أن الحديث يجري عن أراض محتلة في حرب العام 1967 نُذكّر هنا، أن الاستراتيجية العسكرية الميدانية التي اتبعها الإسرائيليون في تلك الحرب، لها عنوان واسم هو “استراتيجية الاقتراب غير المباشر” التي ابتدعها المفكر الاستراتيجي البريطاني “ليدل هارت” وتقضي بتحاشي الاصطدام بالنقاط القوية والصعبة، والالتفاف حولها وتركها ثم التقدم ميدانيا إلى الأمام، لخلق وقائع أخرى على الأرض، تجعل النقاط الحصينة تسقط بعدئذٍ من تلقاء نفسها وبدون تعب أو خسائر. و”ليدل هارت” نفسه، مبتدع هذه الاستراتيجية الذي مات في العام 1970 وصف تطبيق الإسرائيليين لخطته بأنه فوق قدرة خياله هو نفسه على التصور. وقد افتتن المحتلون الإسرائيليون بهذه الاستراتيجية، و”غمزوا” حلفاءهم الأمريكيين باعتمادها في السياسة وفي مقاربات التسوية، لكي يلعبوا لعبة الطائر الماكر الذي يُغري راعي الغنم بملاحقته، فلا يمسكه الراعي وتضيع الأغنام. فها هم الأمريكيون يتحدثون عن “إتفاق إطار” يترك النقاط المهمة، و”يتقدم” إلى ما بعدها، في التنفيذ وبتهدئة اللعب، ولا شيء سيكون ملزماً للمحتلين الممسكين بخناق الأراضي المحتلة، لوقف عملية خلق الوقائع على الأرض، وصولاً إلى لحظة تسقط فيها الأرض نفسها في قبضة الاستيطان العنصري، ويستعصي الحل، ما يتطلب “اتفاق إطار” يحدد “مباديء” الخروج من الاستعصاء إلى راحة البدن، مع انشغال البال في الزنزانة الصهيونية.

إن كانت السياقات على هذا النحو، يصبح لزاماً على إخوتنا الأردنيين وعلى العرب، الذين لا تحتمل حكوماتهم غضباً شعبياً ينبثق عن ضعف سياسي؛ وقف التغطية وتشغيل التدفئة، وإشعال القناديل الحمراء تحسباً للأنواء!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث