عيسى الناصري وعيسى النصارى

عيسى الناصري وعيسى النصارى

إميل أمين

إنه الميلاد المجيد .. ” ميري كريسماس “.إنها أنشودة الميلاد التي تحولت من الفرحة الروحانية السماوية إلى لغة السوق والترويج للبضائع والمشتريات، والويل كل الويل للأديان عندما تخترق شعائرها ملامح البيزنس ويضيع جوهرها المتمثل في الإنسان الذي هو القضية وهو الحل أيضا .

مهما يكن من أمر فربما يكون الميلاد فرصة لإعادة قراءة حقيقية للعالم المسيحي في جوهر الحياة المسيحية تلك التي جاء بها يسوع الناصري، الذي قيل فيه “إنه لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد صوته في الشوارع، قصبة مرضوضة لا يكسر وكتانا مدخنا لا يطفئ “، لا تلك المسيحية المسيسة المعروفة عند البعض في الدوائر الغربية.

في كتابه “رمل وزبد” يحدثنا أديب لبنان الكبير جبران خليل جبران عن حادثة تجري بها المقادير مرة كل عام في بستان بين تلال لبنان، إذ يلتقي عيسى الناصري مع عيسى النصارى، وهناك يتحادثان طويلا ، وفي كل مرة يمضي عيسى الناصري وهو يقول لعيسى النصارى .. يا صديقي إني لأخشى ألا نتفق أبدا ، أبدا ، أبدا “…وعلامة الاستفهام في هذا المقام .. لماذا وما السبب؟

ببساطة لأن عيسى الناصري الذي تراه البشرية مولود كالفقراء عائش كالمساكين مهان كالضعفاء ، مصلوب كالمجرمين يختلف اختلافا كبيرا عن عيسى النصارى الذي يكاد أن يتحول في مخيلة البعض إلى قائد عسكري لا يشق له غبار، يخوض المعارك ويدك الممالك، ويعمد إلى الحروب الاستباقية ، وتفتح له مخازن الأسلحة الجهنمية ، ولا ينفك ساعيا في طريق الهيمنة والسيادة على العالم في الحال والاستقبال .

انتظر اليهود آلاف السنين ظهور المخلص والمنقذ وقد هتفوا له يوم أحد الشعانين ” أوصنا يا ابن داؤد ” وبعدها انقلبوا عليه وطلبوا صلبه مع الأثمة لأنهم وجدوا مخلصا من نوع أخر .

لم يجئ يسوع ليعلم الناس بناء الإمبراطوريات كقيصر ولم يمض في تشييد المعابد الضخمة للقياصرة ، بل جاء ليجعل قلب الإنسان هيكلا ونفسه مذبحا وعقله فضاءا كونيا لتسبيح الخالق.

كان بنو إسرائيل في ترقب للمسيح المخلص الذي ينقذهم من نير الرومان وظلمهم ، وفوجئوا بناصري متواضع يساكن الفقراء والمطحونين ويطوبهم ويعدهم بالملكوت .. طوبى للمساكين بالروح فإن لهم ملكوت السموات .

في مواجهة قسوة الناموس اليهودي وتقاليد الأولين كتب على الأرض آثام وخطايا أولئك الذين جاءوا إليه بالمرأة التي أخذت في ذات الفعل ولم يرفع وجهه في وجوههم ، لكنهم انصرفوا خزيا وخجلا بعد أن رفع صوته عاليا .. من منكم بلا خطيئة فليرمها بأول حجر .. وإما المرأة فطلب إليها ألا تعود تخطئ مرة أخرى رافضا أن يدينها .

أي عيسى هذا وآية رحمه تجلت في محياه وما أبعدها بالفعل عن عيسى النصارى الذين يتوقون شوقا للحروب وللقتل ولسفك الدماء في ظل عولمة تطحن الفقير وتدهس المسكين نفسا وجسما وروحا وعقلا .

لم يكن عيسى الناصري الطبعة الأصلية ضعيفا ، بل كان ثورة تشهد للحق والحقيقة بالمحبة لا بالعنف ، ثورة في الانتصار على الذات بالمعنى الايجابي ، الأمر الذي يتجاوز مقررات الشريعة اليهودية .

عيسى الناصري يحدث حوارييه:” إن أحببتم الذين يحبونكم وكرهتم الذين يكرهونكم فأي فضل لكم ، فان الخطاة والعشارين يفعلون ذلك أيضا، أما أنا فأقول لكم أحبوا لاعنيكم باركوا مبغضيكم صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويضطهدونكم .

يوم مولد عيسى الناصري أعلنت السماء المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة .

لتكن مسرة مولد عيسى الناصري الحقيقي هي هاديتنا في درب بعيد عن دروب عيسى النصارى المليئة بالآلام والأحزان من جراء الأنانية التي لا ترحم .

وكل عام وأنت بألف خير .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث