نصوص كوميدية جاهزة

نصوص كوميدية جاهزة
المصدر: تاج الدين عبد الحق

أُوشك أن أوصد باب العمر ، دون أن أمارس ، ولو مرة واحدة ، حقي في انتخاب من يمثلني ، أو يتحدث عني . أعلم أنني لست حالة شاذة ولا غريبة في منطقتنا العربية ، فمثلي ملايين من الناس عاشوا، وماتوا دون أن يكون لهم صوت ، أو كلمة في اختيار من يمثلهم، أو ينوب عنهم . والسبب لا في عدم وجود انتخاب ، بل في الثقة بمصداقية الانتخابات ونزاهة من يُنتخبون .

وفي تجارب الدول العربية الكثير من القصص التي تجعل من الانتخابات مادة جاهزة لمسرحيات كوميدية ، لم يكن لكاتب نصوصها، وراسم شخوصها ، من فضل ، سوى نقلها من الواقع كما هي إلى المسرح، وذلك لفرط طابعها الكاريكاتوري وطغيان الجو المسرحي عليها . ولعل من أبرز تلك المسرحيات التي تناولت الانتخابات والاستفتاءات العربية ، تلك التي جسدها عادل إمام في مسرحية الزعيم ، وتناول فيها نتائج الاستفتاء الذي جرى في العراق خلال عهد الرئيس الراحل صدام حسين وكانت نتيجته التأييد له ، بنسبة 100% ، وهي نسبة لم تكن مسبوقة في فجاجتها، واستخفافها بالعقول والقلوب ، حيث تجاهلت السلطات العراقية وقتها كل الأسباب الطبيعية التي يستحيل معها وصول نسبة الاقتراع إلى هذه الدرجة من الكمال.

والحق أن هذه النسبة ، هي عندي أكثر مصداقية من نتائج الانتخابات والاستفتاءات التي تكون النتيجة فيها 99.9 % فالنسبة الكاملة تعبر بشكل أدق عن طابع الحكم الفردي ، دون القيام بتخفيض شكلي ، لا يقدم ولا يؤخر في الصورة العامة.

قصص التزوير لفجاجتها طريفة دائما، يتداولها أبطالها، أو القريبون منها ، بعد أن يبتعدوا عن المشهد أو تنحسر عنهم الأضواء،ومن بين قصص عديدة يرويها وزير أردني سابق كانت له صولات وجولات في عالم الانتخابات، . قصة تستحق أن تستعاد، وهي قصة دورة انتخابات برلمانية في الستينيات. وكان لدى الوزير وقتها ، تعليمات بأن يصل مرشح قريب من القصر، للبرلمان على حساب مرشح آخر يحظى بشعبية، وقوة عشائرية . ويبدو أن المشرف على انتخابات الدائرة، لم تصل له تعليمات مسبقة بهذا الشأن فأرسلت النتائج إلى العاصمة وهي تحمل اسم المرشح المنافس لمرشح القصر باعتباره الفائز بالانتخابات . ومن مقره في العاصمة اتصل الوزير الذي كان يحيط به عدد من الموظفين والمرؤوسين بالمحافظ المشرف على الدائرة الانتخابية التي تبعد عن العاصمة مئات الكيلومترات ، طالبا منه إعادة عد الأصوات لأنه يشك بالنتيجة ، لكن يبدو أن المحافظ ، لم يفهم الرسالة، وأصر على أنه أعاد العد أكثر من مرة فما كان من الوزير إلا أن قال له حاسما ” بقولك أخطأت في العد، وأنا شفت من عندي أن العد لم يكن صحيحا ” وعندها فقط ، فهم المشرف الرسالة، معلنا عن الخطأ المتفق عليه ، ومجهضا أحلام المرشح الآخر، الذي كان قد بدأ بالفعل الاحتفال بالفوز .

في مصر قصة طريفة أخرى عن الانتخابات في العهد الملكي حيث كان التزوير يحتاج لمهارة لا سلطة .

يقال والعهدة على الراوي ، إن النقراشي باشا كان يضمن أصوات أهل الصعيد بصنعة لطافة كما يقولون ، فماعليه سوى ” تزبيط ” المشرف على صندوق الانتخاب ، الذي كان يبادر الناخبين وغالبيتهم من الأميين بسؤالهم تقرأ، فيجيب الناخب الأمي، بصيغة الجمع وبلهجة أهل الصعيد “ما نقراشي” قاصدا أنه لا يقرأ فتسجل في الصندوق على أنه انتخب النقراشي .

تزوير أصوات الناس في صناديق الاقتراع، على فظاعته، يظل أهون من تزوير إرادتهم ، وإجبارهم على اختيار هذا المرشح أو ذاك. ففي لبنان التي تعد واحة الديمقراطية العربية فإن النواب يتوارثون أصوات الناخبين بالإغراء، والتهديد، ويتوارثون المقاعد النيابية كما لو أنها ملكيات خاصة . وفي بلاد أخرى يكون للقبيلة القول الفصل فيمن يفوز ومن يخسر، فيما أصوات الناخبين تعبير رمزي ، عن التوازن داخل العشيرة أو العائلة .

ومن باب الشيء بالشيء يذكر ، أذكر أنني حضرت انتخابات إتحاد الكتاب الفلسطينيين في بيروت في السبعينيات ، وكانت الكتلة الُمُرجِحة في تلك الانتخابات كتلة الكتاب المقيمين في دول الخليج العربي ، وقبل يوم التصويت تم جمع جوازات سفر هؤلاء الكتاب، بحجة تأكيد حجوزات عودتهم إلى البلدان التي قدموا منها ، ليفاجأوا بأن الجوازات محجوزة، لضمان تصويتهم لصالح الكتلة التي تؤيدها قيادة منظمة التحرير ، وعندما استفسر أحد الكتاب عن الكيفية التي ستعرف فيها القيادة أن التصويت تم حسبما تريد تلك القيادة ، رد رئيس جهاز أمن المنظمة وكان اسمه أبو الهول ( التصويت يتم أمامنا ، على قائمة كاملة، ونحن نراقب فإذا تأخر الناخب في التأشير، نعلم أنه ينتقي الأسماء، ونعلم عندها أنه خالف التعليمات، وأنه يختار على كيفه وليس على كيفنا ) .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث