الله ليس غولا… الله محبة

الله ليس غولا… الله محبة

محمد سناجلة

أقردني الحظ العاثر فذهبت إلى صلاة الجمعة قبل الخطبة، وهو شيء نادرا ما أفعله حيث أذهب للصلاة في أواخر الخطبة أو بعد انتهائها في أغلب الأحيان، وذلك بسبب الخطباء الجهلة الذين لا يعرفون المعنى العميق للإسلام ويتمسكون بالقشور فتراهم منفرين لا مبشرين، ودعاة تعصب لا دعاة تسامح، ودعاة عذاب وقتل لا دعاة محبة وسلام كما هو الإسلام.

المهم، دخلت المسجد وبعد ركعتين خفيفتين تحية لله في بيته، بدأت خطبة الجمعة، ويا سلام على ما كان…

بدأ الصراخ والزعيق، وكان عنوان الخطبة عن عذاب القبر وما يليه، وما ينتظر الكافرين والعصاة الفاسقين من المسلمين من أصناف العذاب قبل الحشر والحساب..

الشيخ الذي تبلغ لحيته عند ركبتيه، وتشتعل عيناه باللهب، ويزأر صوته كالثور الهائج، لم يترك غولا ولا عقربا ولا أفعى رقطاء ولا تنينا يبلغ حجمه الجبال إلا حشره مع ابن آدم المسكين في قبره الصغير.

كان صوت الشيخ عاليا، لكن فجأة اهتزت جنبات المسجد من أدناه إلى أقصاه بصوت هادر خرج فجأة من حلق الشيخ الذي انفتح على أقصى اتساعه–لم أتخيل في حياتي أن هناك صوتا لبني آدم من الممكن أن يصل إلى هذا الحد- هدر الرجل وهو يرغي ويزبد صائحا: أيها العاصي لربك يا تارك الصلاة والصيام، إن في القبر أفعى طولها ما بين السماء والأرض وأنيابها كالجبال تلدغك بأنيابها حتى تحفر دماغك ثم ترفعك فتصير في أعلى السماء ثم تضربك حتى تخسف بك الأرض فتغدو في أسفل سافلين، ثم تعصرك بين أنيابها عصرا فتأكل منك كل عظم، ثم تتركك فتعود كهيئتك الأولى فتعاود لدغك وضربك وعصرك حتى لا تغدو شيئا مذكورا….

اصطك قلبي وارتعشت عظامي من رعب الصورة… نظرت للمصلين في المسجد فإذا وجوههم سوداء من الرعب والخوف لا يكادون ينبسون بكلمة….استمرت خطبة الشيخ كأنها دهر بطوله، وما أن انتهى حتى كادت روحي تخرج من جسدي، ولست أدري كيف صليت وغادرت للبيت.

بقيت طوال اليوم وأنا واجم حزين، خائف مرتعب.. لكن جاءني النور فهبط على قلبي الوجل كالبرد والسلام…تذكرت قول الله عز وجل في الحديث القدسي: “يَا ابْنَ آَدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوتَنِيْ وَرَجَوتَنِيْ غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلا أُبَالِيْ، يَا ابْنَ آَدَمَ لَو بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ استَغْفَرْتَنِيْ غَفَرْتُ لَكَ، يَا ابْنَ آَدَمَ إِنَّكَ لَو أَتَيْتَنِيْ بِقِرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لقِيْتَنِيْ لاَتُشْرِك بِيْ شَيْئَاً لأَتَيْتُكَ بِقِرَابِهَا مَغفِرَةً”.

أين هذا الاله الغفور الرحيم من ذلك الشيخ المرعب؟!

الله ليس غولا يا سيدي الشيخ، الله محبة، الله رحمن رحيم، الله غفور حليم..الله نور وسلام، الله أكرم منك ومن كل البشر، وهل نحن سوى بعض خلقه، الله أرحم بالبشر من الأم على أولادها فأين أنت أيها الكائن المرعب؟!

يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “لو لم تذنبون لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم”.

ويقول الغفور الرحيم الحليم ربي في كتابه الكريم: “قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا، إنه هو الغفور الرحيم”.

فأين أنت أيها الغول المرعب…لكم دينكم ولي دين.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث