الفساد وإبلاغ الناس

الفساد وإبلاغ الناس

عدلي صادق

إنني هنا، ترفقاً، أتحدث عن دولة مايكرونيزيا، ذات الشبيهات الأربع!

فالمايكرونيزي، بالعمل والأمل والألم، هو غير المايكرونيزي، بالتمحك عبر مسالك المنفعة والتربح والتشاطر السخيف، الذي لا ينطلي على السذج. الأول يبذل جهده على أساس أن مايكرونيزيا ستظل قائمة، وأنها ستُبنى، وسوف تكتمل شروط حياتها القانونية والدستورية. أما الصنف الثاني، فيعيش حياته لكي يفتح مسالك لغرائزة وأطماعة، على أساس أن مايكرونيزيا أرخبيل منخفض، معرض لأنواء المحيط الهادىء، مندثر حتماً، ولن تقوم لها قائمة. هو على يقين بأن بوصلة وطنه المايكرونيزي، ومشروع تحققه عند فم محيط هادر يسمى هادئاً، قد ضاعت. بالتالي فإن الذكي والشاطر، هو الذي يهبش شيئاً من مقدرات مايكرونيزيا وشعبها، لكي يؤسس مشروعه الخاص، بالمال الحرام، في خارجٍ هادىء فعلاً، لا تطاله فيه أية مساءلة!

لكن هذا الصنف الرميم، واهم وغبي، بقدر ما هو مذعور ورعديد، يحسبُ كل صرخة عليه. فمايكرونيزيا ستقوم وستُبنى، على الرغم من أنف الأقوياء وأنف اللاوطنيين وأنف الفاسدين والنعراتيين الذين يفرقون بين جزيرة وجزيرة، لكي يمرروا فسادهم. كذلك ستقوم مايكرونيزيا، إلى جانب شبيهاتها الأربع، على الرغم من مستمرئي الإطاحة بالقانون، وهو القانون نفسه، الذي يتذكرونه كلما اتى إنسان، على ذكر حرف من مجلدات عفونتهم وعربدتهم. فإن أحسوا بخطر ما، تراهم يلوّحون بالتشكي أمام القضاء، ظناً منهم، أن الذي اقترب من سياج عفونتهم، سيرتعد خوفاً ويتراجع!

* * *

إن الورقة الوحيدة، التي أضيفت إلى مايكرونيزيا، بعد أن اصبحت دولة، على ضآلة المساحة وعدد السكان، فهي القدرة على تسوية أوضاعها القانونية الداخلية، لكي تتأهل للانضمام إلى “اتفاقية روما” بوابة الدخول إلى محكمة الجنايات الدولية. وهذا هو الذي يقلق الأقوياء المعتدين وقراصنة البحر المجرمين، والأوغاد من ربابنة السفن. هنا، يجدر التذكير، أن من بين شروط صدقية تأهيل المنظومة القانونية في أي بلد يرغب في الانضمام إلى “اتفاقية روما” أن يوقع الحاكمون فيه على “اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد” وهي الاتفاقية الضامنة ـ حسب ديباجتها ـ لـ “الإدارة السليمة للشؤون العامة والممتلكات، وللإنصاف والمساواة بين المواطنين، مع ضرورة صون النـزاهة وتعزيز ثقافة نبذ الفساد”. وبدون التأهيل الكامل، للمنظومة القانونية؛ لن يتمكن أي بلد من التوافر على أهلية تقديم الشكوى ضد بلد آخر. فمن يستهتر بالعدالة في بلاده، لا يحق له أن يشكو أحداً!

في الاتفاقية الدولية، هناك سبعة فصول و71 مادة، تشمل كل أشكال فساد الموظف العمومي، في المال وفي الإدارة. بل ويتحدد في الفصل الأول، وضمن مواد الأحكام العامة، وصف تلك التي تسميها الاتفاقية “العائدات الإجرامية” أي المنافع والمداخيل التي يتحصل عليها الفاسد بطرق خيانة الأمانة والتدليس وغياب الشفافية الإدارية. لكن المادة العاشرة، التي تقع في الفصل الثاني، وهي بعنوان “إبلاع الناس”؛ فإنها تفرض على الدولة (في البند أ من المادة) اعتماد “الإجراءات الكفيلة التي تمكن عامة الناس، من الحصول عند الاقتضاء، على معلومات عن كيفية تنظيم إداراتها العمومية، وكيفية اشتغال هذه الإدارات، وكيفية اتخاذ القرارات فيها. وتمكن الناس كذلك، من التعرف على القرارات والصكوك القانونية التي تهمهم، مع إيلاء المراعاة الواجبة لصون حرمة المواطنين وبياناتهم الشخصية”. وجاء (في البند ب من المادة) ما ينص على إلزام الدول بـ “تبسيط الإجراءات الإدارية، عند الاقتضاء، من أجل تيسير وصول الناس إلى السلطات المختصة التي تتخذ القرارات”!

* * *

لا مجال لعمل قراءة مطولة، لـ “اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد”، لكني هنا، أنوه إلى أمرين مهميْن خدمة لأهالي مايكرونيزيا، كريمهم ولئيمهم. الأول، هو التأكيد لولي الأمر العزيز، في الأرخبيل، على أن ما من يفيده ويحصن سلطته، ويقويه في مواجهة محيط هادر، هم أولئك الأوفياء الذين يَصْدُقونه القول، لا أولئك الأوباش الذين ينافقونه، وإن كان الأخيرون أبرع من الأولين، في إطلاق معسول الكلام وتدبيج الرياء الفاقد للدلالة. ويقيني، على صعيد هذا الأمر الأول، أن ولي الأمر عندما يغادر موقع مسؤوليته، سيكتشف أن الأوفياء الذين لا يبدلون مواقفهم، هم الذين كانوا صادقين وغيورين عليه وعلى ما يمثل، وليس المنافقين الكذابين. إنه في النهاية حر في خياراته، وستحكم مقادير الأرخبيل على الحميع. أما الصادقين فلا يهمهم شىء، على الصعيد الشخصي، وسيظل واحدهم في حال سلام مع نفسه، ومرزوقاً برزق أطفاله، وبشرفه ومثابرته.

أما الأمر الثاني، فإن من تزعجهم حتى الإشارات المقتضبة، عن تجاوزاتهم وعربدتهم، ما زالوا غير مصدقين، أن توجعهم الكاذب وتظاهرهم بأن لهم حقوقاً على كل من يجرؤ على انتقادهم؛ إنما يأخذون أنفسهم بأنفسهم، إلى الموضع الشائك والعسير أو المُفتضح، لأن من يقدم إشارة، بمقدوره أن يقدم بحثاً أو دراسة زاخرة بالأمثلة الحية وأسماء الشهود. معنى ذلك أنهم يوفرون لخصمهم المنصة الأخلاقية التي سيؤدي من فوقها واجبه، في إبلاغ الناس!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث