من بعدهم الطوفان

من بعدهم الطوفان

حافظ البرغوثي

عند اندلاع الثورة الليبية ظهر سيف الاسلام القذافي في خطاب له ليقول محذرا من أن استمرار الوضع سيؤدي إلى حرب أهلية وعشائرية ومناطقية وقبلية في ليبيا، وقبل سقوطه بقليل عن عرش الطاووس، قال شاه إيران محمد رضا بهلوي: إذا سقطت فمن بعدي الطوفان. وأيضا قبل سقوطه ومغادرته الصومال قال محمد سياد بري: من بعدي الطوفان.

ما قاله الحكام الديكتاتوريون، ليس تنبؤات بل ادراك لما ستؤول إليه الأمور في بلدانهم، فهم ملمون بتفاصيل تركيبة المجتمع السياسية والاجتماعية والقبلية والمذهبية والجهوية، وإلا لما حكموا طوال هذه العقود! كما أن النظام السوري هدد بطوفان يشمل اسرائيل والمنطقة في حالة سقوطه، فالأنظمة الدكتاتورية الفردية تعرف بنيتها السياسية القمعية، وفي حال سقوطها ستظهر قوى أخرى تحاول أن ترثها وتختلف فيما بينها على شكل جماعات وأحزاب وميليشيات متقاتلة وتدخلات خارجية تزيدها اشتعالا وفتنة. فالطوفان عمليا تم تدبيره مسبقا بخلق فراغ سياسي وامني داخلي وقمع القوى الداخلية النظيفة وتركيب الأجهزة العسكرية والأمنية على مقاسات الدكتاتور فقط. وما ان يسقط النظام حتى ينهار المجتمع ويتفتت، فالدول التي تم اسقاط أنظمتها من العراق حتى تونس مرورا بليبيا واليمن والصومال تعيش حالة الطوفان وايران نفسها ما زالت تمر بها حتى تاريخه. ومن المؤكد ان تماسك الجيش المصري هو السبب في عدم انهيار الدولة المصرية. ولعل من ميزات الاستعمار المباشر أنه عندما ارتحل عن بلاد ترك نظاما عميلا له، فالأصل لدى الاستعمار هو الابقاء على حالة من الاستعمار غير المباشر، إضافة إلى زرع ألغام موقوتة داخل تلك البلدان يفجرها وقتما شاء كالصراع الديني أو المذهبي أو العرقي أو الصراع على الحدود التي رسمها الاستعمار على مزاجه، بحيث ينغمس البلد في صراعات داخلية وخارجية تحول دون الاهتمام بمشاريع نهضوية تطويرية اقتصاديا وصناعيا واجتماعيا . فالشروع في التنمية والتصنيع هو سبب مباشر أيضا للتدخل الخارجي مثلما حدث مع مشروع محمد علي باشا في مصر ومن بعده جمال عبد الناصر.

ولذلك لا نجد أي مشروع نهضوي شامل في أي قطر عربي ، فالدكتاتور يبني نظامه على شكل القصر الذي بناه لملكه، فإن انتزع منه حجرا تداعى وأنهار. فلا مناص من استبدال دكتاتورية الشارع الحالية والميلشيات بأحزاب نظيفة غير ملوثة بالدماء، تستند الى الحوار العقلاني وليس إلى السلاح والفكر المجنون. والله من وراء القصد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث