الإمارات واللعب مع الكبار

الإمارات واللعب مع الكبار

تاج الدين عبد الحق

بعيداً عن الشعارات الحماسية، والقوالب الجاهزة، نمت التجربة الاتحادية لدولة الإمارات العربية، وها هي تحتفل اليوم بالعيد الثاني والأربعين لقيامها، وقد أصبحت أكثر نضجاً وصلابة وأكثر أمناً واستقراراً، من تجارب دول كثيرة كانت مهداً لحضارات، ومصدراً لخيرات.

قيل الكثير عن هذه التجربة. بعض أصحاب الفتاوى السياسية، وصفوها، بمنطق من برع في تفسير التاريخ، والحوادث تفسيراً تآمرياً، فقالوا عنها يوم انطلاقها في ديسمبر من عام 1971، بأنها صناعة إنجليزية، فرضتها الضرورة الجغرافية، والحاجة السياسية . كان ذلك الوصف في زمانه، وفي المناخ الذي صدر به، كفيلا بتقويض أعتى التجارب، وإسكات أعلى الأصوات، فكيف بتجربة وليدة تحيطها الأطماع من كل صوب، وصوت خفيض خجول، يتردد صداه في واد أصم، لايسمع فيه إلا صليل السيوف، وقرقعة الدفوف .

لم يكن للإمارات في ذلك الوقت هوية سياسية واضحة، بل إن كثيراً من العرب لم يعرفوا موقعها على الخريطة ، كانت هويتها ملحقة بهوية الآخرين، أو مرتبطة بحالة سياسية أو توصيف خارجي . فهي ساحل عُمان حينا، وإمارات الساحل المتصالح حينا آخر أو هي في أفضل الحالات مشيخات متصالحة اسما، ومختلفة فعلاً، إما على حدود مصطنعة، أو موارد شحيحة .

كان الإماراتيون في ذلك الوقت وحدهم بكل ما في الكلمة من معنى . فقد خرج الإنجليز للتو بعد انتداب استمر عشرات السنين، لم يترك وراءه، إلا الفقر والجهل والمرض، فيما كشر الجيران شرقا، والأشقاء غرباً، عن أطماعهم، وشكوكهم .

نظر البعض لاتحاد الإمارات على أنه هبة النفط ، وأنه لولا الثروة التي هبطت عليه من السماء لما صمدت التجربة ، لكنه تناسى أن السماء كانت أكثر سخاء مع دول توفرت لها ثروات أكبر، وموارد أفضل، ومع ذلك لم تنجح لا في الوصول إلى ما وصلت له الإمارات ولا في المحافظة على هويتها السياسية التي باتت الآن مهددة بالتفكك والتحلل .

أكبر عوامل نجاح تجربة الإمارات الاتحادية ، أنها لم تكن تعبيراً عن طموحات زعامة، كحال التجارب الوحدوية العربية التي انطفأت قبل أن تولد، أو كحال التجارب التي لم تصمد إلا بحد السيف وقوة القهر .

قامت التجربة الإماراتية، من بدايتها، على شكل من المشاركة في القرار، قبل أن يصبح هذا المصطلح متداولاً في البورصات السياسية . كان القرار توافقياً ، فلم ُيمل الكبار في الاتحاد آراءهم على شركائهم، ولم يستقووا عليهم، بالرغم من أن الفرصة كانت متاحة لهم، والمجال مفتوحا أمامهم، لم يستعجلوا السير في التجربة، ولم يضغطوا لفرضها، رغم أنهم كانوا يسابقون الزمن لتعويض ما فاتهم واللحاق بمن سبقهم .

كان مؤسس الاتحاد الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان رحمه الله وهو يقود بدأب، وصبر مسيرة بلاده، يراهن على الزمن، في مواجهة من يحاول تصيد الأخطاء، وعرقلة الخطى .

كان يرى أن ثبات التجربة واستمرارها يرتبط بمدى استشعار المواطن لثمار الاتحاد، وجني فوائده . لم يحاول أن يضع العربة أمام الحصان، فلم تشغله تفاصيل النصوص عن العمل الحقيقي، فكانت المبادرة هي أسلوبه في قيادة السفينة وفي توجيه مسارها .

كانت النوايا الحسنة هي البوصلة، لم يكن التنفيذ ينتظر النص، بل كان الواقع هو الذي يحكم النص، يطوره أويعدله . ظل الدستور الاتحادي مؤقتاً، لكنه لم يكن قيدا، فحولته الوقائع والمبادرات إلى دستور دائم بدون ضجيج ولا خلافات. لم تكن النصوص مقدسة إلا بقدر ما تخدم مصالح الناس، وبما تضيفه لهم . فتطورت التجربة من تجربة سياسية، إلى هوية وطنية، يفخر بها الإماراتيون ويعتز بها العرب .

ليست صدفة أن تتزامن احتفالات الإمارات بذكرى قيام الاتحاد مع نجاحها في التأهل لاستضافة معرض إكسبو 2020 . فهذا النجاح هو ثمرة لذلك الاتحاد وتعبير جديد من تعبيراته الكثيرة. فتحية للإمارات العربية المتحدة في عيدها ومبارك لها فوزها المستحق بهذا الإنجاز العالمي الذي يجعلها لاعباً مع الكبار ونداً لهم كتفاً بكتف .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث