أحمد زكي..سنة حلوة يا جميل!

أحمد زكي..سنة حلوة يا جميل!

طارق الشناوي

في حياته كانوا كثيرا ما يعقدون مقارنة بين أحمد زكي وعادل إمام حيث أن التنافس والذي يصل إلى حدود التراشق تابعناه بين الحين والآخر بين النجمين الكبيرين، عادل هو نجم الايرادات “البريمو” في شباك التذاكر، بينما أحمد زكي نجم الأحاسيس “البريمو” في شباك القلوب، ولهذا احتفلنا قبل أيام بعيد ميلاده الخامس والستين فمثله لا يعرف الغياب.

هذا النوع الاستثنائي من الفنانين يتجاوزون بقدرتهم الإبداعية تخوم عقلهم الواعي، يسيطر عليهم ندائهم الداخلي فيقتربون من شمس الحقيقة، وكثيرا ما أحاطت أصابع أحمد زكي بقرص الشمس.

قيمة نجمنا الأسمر أنه أصبح “الترمومتر” لقياس الابداع برغم أنه درس فن التمثيل أكاديميا إلا أنه في الحقيقة لم يكن يتعامل مع الشخصية التى يؤديها بمنطق الورقة والقلم، فهو يعيش معها أو بتعبير أدق هي التي تعيش معه وتسكنه أمام بل وخلف الكاميرا أيضا، وفي كثير من الأحيان تُصبح لها الكلمة العليا وتقوده إلى أعماقها فتمنحه مفتاحها وسرها وشفرتها، التفاصيل الخاصة تُصبح هي تفاصيله ليصل إلى ذروة التوحد.

قرأت أن ماريون كوتيار الممثلة الفرنسية التي حصلت قبل خمسة أعوام على “أوسكار” أفضل ممثلة لأدائها دور المطربة الأسطورة أديث بياف في فيلم “الحياة الوردية”، سألوها عن أسلوبها في التقمص قالت إنها ظلت عدة أشهر وهي تعيش مثل “بياف” لم تستطع أن تدخل في أحاسيس أي شخصية أخرى حتى ماريون الانسانة لم تعد ماريون الانسانة.

وهكذا أحمد زكي في العديد من أفلامه يُصبح عسيرا عليه أن يعود إلى أحمد زكي حتى بعد انتهاء التصوير، فلقد أصيب يوما بآلام حادة في القولون وشخص الطبيب تلك الآلام على أنها مشاكل صحية لم يعاني منها في الحقيقة أحمد زكي ولكنها كانت آلام “هشام” ضابط أمن الدولة الذي أدى دوره في فيلم “زوجة رجل مهم”، كان هذا الضابط يمشي على لسعات لهيب النيران بين فقدانه لمنصبه وعشقه للسلطة.

عانى أحمد زكي كثيراً على المستوى العضوي والنفسي وهو يؤدي هذه الشخصية فانتقلت إليه أعراضها ومعاناتها العضوية والنفسية، ولم يكن فقط “زوجة رجل مهم” هو الحالة الاستثنائية بل هناك العديد من الأدوار الأخرى في أفلام مثل “أرض الخوف”، و”الهروب”، و”الحب فوق هضبة الهرم”، و”موعد على العشاء”، و”طائر على الطريق”، و”البريء”، و”أحلام هند وكاميليا” و” ناصر56″ وغيرها، كان المخرج الراحل عاطف الطيب يقول لي أنه دائما ما يحلم بأن يمنحه الممثل درجة من التعبير أمام الكاميرا، ولكن أحمد زكي يتجاوز من فرط صدقه كل أحلامه، عمر الشريف قال أنه لو كان يجيد الانجليزية لأصبح نجما عالميا يصل إلى مساحات لم يطأها أحد قبله.

في فيلم ” حليم” أصيب قبل أن يبدأ التصوير بسرطان الرئة وأصر على استكمال الفيلم، كان يعلم أن حياته على الأرض طالت أم قصرت محدودة بزمن، ولكن الشريط السينمائي سيمنحه إطلالة دائمة في الزمن!

“أحمد فنان التشخيص الأول في السينما العربية في الربع قرن الأخير، نعم لدينا نجوم قادرون على الأداء المبهر ويمسكون بومضات إبداعية ولديهم كاريزما وتواصل وجماهيرية ولكن أحمد زكي في تاريخنا السينمائي يحلق في سماء أبعد من ذلك، نور الشريف كان يقول في فن الأداء أنا أستحق 7 من 10 ، أما أحمد زكي فهو الوحيد من جيلنا الذي أمنحه بلا تردد 10 من 10.

إنه “الألفة” في حياته ولا يزال في نفس المكانة بعد رحيله فتوجته الجماهير ملكا للقلوب، سنة حلوة يا جميل!!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث