العشيق الدائم والصديق القديم

العشيق الدائم والصديق القديم

تاج الدين عبد الحق

الملف النووي هو رأس جبل أزمات إيران مع الإقليم، ومع العالم. والتركيز الذي يظهره المجتمع الدولي على هذا الملف، ليس لأنه الأخطر، أو الأكثر إلحاحاً، بل لأن هناك خلافاً بين المعنيين بالعلاقة مع إيران، على ترتيب الأولويات وعلى ترتيب قائمة الأزمات، وكيفية احتواء ما قد ينتج عن كل منها من تداعيات، وما تخلفه هذه الأزمة، أو تلك من آثار.

ويبدو أن أولويات واشنطن التي تقود مساعي الحل التفاوضي لملف إيران النووي، هي غير أولويات دول المنطقة، وأنها تعمل وفق ترتيب مختلف، لا يتناسب مع أولويات الدول الأخرى المعنية ولا مع اعتباراتها وهواجسها.

وواشنطن في تعاطيها اليوم مع هذا الملف، تعيد إلى الأذهان الكيفية التي تعاطت بها مع ملف الأزمة السورية. فالولايات المتحدة رغم التعاطف الظاهر مع المعارضة السورية، إلا أنها بتطور الأحداث وتسارع المواجهات وتواتر المبادرات حول هذه الأزمة، بينت أن أولويتها هي التماهي مع كل ما يتناسب مع أمن إسرائيل، ومنع وصول تداعيات الأزمة السورية إليها.

ولذلك وجدنا تبدلاً دراماتيكيا في الموقف الأمريكي، فور إبداء النظام السوري استعداده للتخلي عن السلاح الكيماوي، ووضعه بتصرف الوكالة الدولية للحد من انتشار الأسلحة الكيماوية لتدميره، والتخلص منه، الأمر الذي صب في مصلحة إسرائيل، وخلصها من هاجس كانت تتحسب له، وتخشى منه.

وبموازاة ذلك، ومن باب ذر الرماد في العيون، تحركت الولايات المتحدة لعقد مؤتمر جنيف 2، وهي تعلم أن المؤتمر المنتظر لا يمكن أن يصل إلى حلول، فضلاً عن أنه بالصيغة المطروحة له، لن يغير المعادلة التي تحكم الأزمة وتتحكم في مسارها.

اليوم يتكرر المشهد، فالاجتماعات والمبادرات واللقاءات، تتسارع بشأن الملف النووي الإيراني كما لو أنه أزمة جديدة طارئة، وحالة متفجرة، غير قابلة للتأجيل ولا تحتمل التروي والانتظار. ولذلك وجدنا الولايات المتحدة تسارع إلى تقديم أكثر من ورقة للمساعدة في الحل، وفككت من أجل ذلك عملياً، ارتباط هذا الملف بأزمات المنطقة، ومشاكلها، وحصرته بالموضوع النووي، الذي لا يهم أحدا في الإقليم أكثر من إسرائيل، وأبدت من أجل تسريع الحل استعدادها للإفراج عن مليارات من الأموال المحتجزة لإيران، فضلاً عن إبداء الاستعداد للتراجع عن فرض عقوبات اقتصادية جديدة كانت معروضة على الكونغرس لإقرارها.

الخطورة هنا، لا تكمن في التنازلات الأمريكية المبكرة، بل تكمن بالدرجة الأولى، في فك ارتباط هذا الملف بالأزمات الأخرى في المنطقة، وهو أمر يعني أن أي إتفاق مع طهران على ملفها النووي، سيكون بعيداً عن تفاعلات هذا الملف مع الأزمات الأخرى، وسيعني بالتبعية إطلاق يد طهران، لمواصلة تدخلاتها في المنطقة، ابتداء بالبحرين ومروراً بالعراق وانتهاء بسوريا ولبنان.

فأجواء أي اتفاق بشأن الملف النووي، ستكون قيداً على الإدارة الأمريكية لا يسمح لها، بفتح أي ملف من تلك الملفات بشكل جدي، طالما أن ذلك لا يقوض ذلك الاتفاق، وطالما أن التدخلات الإيرانية لن تهدد إسرائيل، ولن تخرج في مداها، عن برنامج الفوضى الخلاقة الذي سعت الإدارة الأمريكية لتطبيقه في المنطقة بحيث تجد إيران نفسها طليقة اليد لتوسيع دورها الإقليمي وتأثيرها السياسي والأيدولوجي.

وقد ظهرت إرهاصات ذلك في تمادي إيران بتدخلها في الشأن السوري، وفي زيادة تواجدها العسكري هناك، وجعلت من هذا التواجد كما لو أنه واقعاً لايمكن تجاوزه أو تغييره، للدرجة التي أصبحت فيه إيران لاعباً أساسيا في الأزمة، ومشاركتها في جنيف 2 ضرورة لإنجاحه.

دول الإقليم وخاصة دول الخليج العربي تدرك مخاطر هذا النهج الأمريكي الجديد، و تعلم أن الإدارة الإمريكية، وهي تعمل من أجل عقد إتفاق مع طهران بشأن برنامجها النووي، تتصرف بوحي التزامها بأمن إسرائيل باعتباره اولويتها الأولى، وهاجسها الأهم. ولذلك فإن هذه الدول التي قلما تظهر ضيقها وخلافاتها مع الولايات المتحدة، تعرب اليوم عن مشاعر زوج مخدوع لم يبخل على تنمية واستقرار العلاقة بواشنطن، فيما تجير نتائج وثمار هذه العلاقة، لخدمة العشيق الدائم إسرائيل، والصديق القديم إيران .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث