أمريكا والتقارب المصري الروسي

أمريكا والتقارب المصري الروسي
المصدر: صادق رمضان

صناعة السياسة وخاصة العلاقات الدولية لها محاذير ومخاطر تتطابق إلى حد بعيد بصناعة الدواء، فكلاهما يحتاج إلى قدر كبير لمراعاة الحرص والدقة وﻻ يسمح لمن يمارسهما بأي قدر من الخطأ أو التجاوز، فالخطأ الأول هو ذاته الخطأ الأخير!

صانع الدواء يتعامل في صناعته مع السموم وعليه أﻻ يتجاوز النسب المقررة لكل دواء؛ ذلك أن التجاوز بالنقص لا يجعل الدواء ينتج أثره، وتجاوزه بالزيادة يشكل خطرا داهما على حياة المريض، لذلك فهو ﻻ يستطيع اﻻستغناء ولو للحظة عن الميزان الحساس، وهذا ما ينطبق تماما على من يعمل أو يمارس السياسة فهو ﻻ يستغني مطلقا عن الميزان الحساس.

بدأت العلاقات المصرية الروسية منذ أربعينات القرن الماضي، ولكنها لم تشهد ازدهاراً إﻻ في عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، حيث امتنعت الوﻻيات المتحدة عن تزويد مصر بالسلاح، بل وفرضت حظرا على توريده، وكان ذلك بعد قيام مجموعة من عصابات الهغانة الإسرائيلية بقياده دافيد بن غوريون بهجوم محدود على الحدود المصرية، مما أدى إلى تعليق صفقه الأسلحه التشيكية لمصر بإيعاز من روسيا.

وعندما سحبت الوﻻيات المتحدة عرض تمويل السد العالي وحرضت البنك الدولي على سحب عرض تمويل المشروع، كان للاتحاد السوفيتي دوره العظيم فى تمويل وبناء السد، وتكريما للاتحاد السوفيتي تم دعوة الرئيس الراحل نيكيتا خروشوف لحضور اﻻحتفال بتغيير مجرى النيل، وبدأت بذلك مرحلة نمو العلاقات بين القاهرة وموسكو، فتم تزويد مصر بالسلاح والمساعدة في المشروعات العملاقة كمشروع الحديد والصلب ومجمع الألومونيوم وخلافه.

وبتولي الرئيس السادات أصيبت العلاقات بالفتور وتم تجميدها حتى قيام ثورة 30 حزيران /يونيو 2013 وهنا نود الإشارة إلى أن الثورة ﻻبد أن يكون لها نتائج أو آثار داخلية وخارجية، وبالدراسة الدقيقة للآثار المترتبة على ثورة حزيران/ يونيو نجد أن آثارها الخارجية أهم من الآثار الداخلية التي لن تتبلور وتتضح معالمها إﻻ باﻻنتهاء من وضع الدستور وإجراء انتخابات المجلس التشريعي ثم انتخابات الرئاسة.

أما أبرز الآثار الخارجية فهي اقتناع غالبية دول العالم أن نظاما جديدا قام في مصر ﻻ يعترف بالتبعية لأي قوى أجنبية، وأن الشعب المصري هو سيد قراره وأنه ﻻ يستشير أحدا في أي موضوع يمس السيادة المصرية، وهو ما دفع الفريق أول عبد الفتاح السيسي النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء أن يصرح علنا بل ويقسم أنه لم يستشر أحدا أو أخذ رأيه فيما حدث.

لم تستوعب الإدارة الأمريكية التغيرات فى مصر، وتعاملت مع النظام الجديد في مصر بغباء سياسي فألغت صفقات سلاح كان من المفترض تسليمها لمصر، وأمرت بقطع ووقف معظم المساعدات المالية المستحقة لها وهي بذلك تدفع الأمور لقيام نظام ناصري جديد، واقتنع النظام الحالي في مصر بضرورة إعادة النظر في السياسة الخارجية بما يحقق صالح الشعب المصري وقرر التعامل مع كافة الدول تحقيقا للمصلحة على أﻻ تكون على حساب دول وقوى أخرى.

ومن هذا المنطلق، تلاقت الإرادة الروسية والمصرية علي ضرورة إعادة رسم سياسة البلدين بهدف تحقيق المصالح المشتركة في المجاﻻت السياسية والعسكرية واﻻقتصادية، حيث بدأ وزير خارجية مصر نبيل فهمي بزيارة موسكو لإجراء مباحثات، وفي التوقيت نفسه وصل إلى موسكو وفد الدبلوماسية الشعبية المصرية تدعيما لرغبة الشعبين في حدوث التقارب المنشود.

ثم قررت موسكو إرسال وزير الخارجية الروسي وبصحبته وزير الدفاع الروسي، وجرت العديد من المشاورات، خاصة بين وزيري دفاع البلدين، وأكدت المصادر المقربة في وزارة الدفاع أن مصر بحاجة إلى تجديد أسلحة الجيش المصري بنسبة ﻻ تقل عن 30% وستحصل مصر من روسيا على أسلحة متطورة من شأنها إعادة التوازن العسكري واﻻستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، ومنها علي سبيل المثال أنظمة دفاع جوي لمواجهة طائرات الشبح التي أمدت بها أمريكا إسرائيل، وكذلك الصواريخ المضادة للطائرات التى تعمل دون طيار وطائرات النقل الثقيل، كما تشمل الصفقه صواريخ أرض أرض ليكون للجيش المصري اليد الطولى في المنطقة.

من كل ما سبق، لابد أن نتيقن أن أمريكا أصبحت أكبر الخاسرين من وراء الثورة المصرية، بفضل غباء حكامها ونظامها وتقديره الخاطئ للمواقف، وليعلم الجميع أن الشعب المصري هو صاحب قراره واستطاع أن يغير مفهوم الدولة التابعة إلى دولة ذات سيادة وعلى الجميع أن يعي الدرس جيدًا قبل أن يعادي شعب مصر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث