نحن والمسيحيون..!

نحن والمسيحيون..!

نظير مجلي

ذات مرة، نحن العرب نخجل من التفوه بكلمات تدل على انتسابنا الطائفي. كنا من الشرف والقيم الرفيعة، بحيث نتحدث عن عروبتنا باعتزاز واعتداد كبيرين، فلا نذكر هذا مسلم أو مسيحي أو درزي، ولا سني ولا شيعي ولا علوي. وكنا نتعاطى مع الأرمني أو الكردي او السرياني عربيا من لحمنا ودمنا. بل كنا نعتبر اليهودي الفلسطيني أو السوري أو المصري يهوديا عربيا.

والمسيحيون بالذات منا، كانوا فرعا أصيلا في شجرتنا الباسقة، لا فرق بينهم وبين أي شريان آخر في جسدنا. من جبران خليل جبران وايليا أبو ماضي وغيرهم من حماة اللغة العربية والتراث القومي في زمن الهيمنة التركية الظالمة، إلى قائد الثورة جورج حبش، وإلى إدوارد سعيد مفكر العصر، وحتى اميل حبيبي الأديب المبدع، من سيدتنا مريم العذراء بنت الناصرة، إلى الراهب البحيري في زمن الرسول الكريم، إلى المسيحيين العرب الذين قاتلوا الصليبيين جنبا إلى جنب مع جند العرب بقيادة صلاح الدين الأيوبي، وحتى القائد الفلسطيني الثائر المطران حجار في القرن الماضي والشخصية الوطنية الرائعة، البطريك مشيل صباح في عصرنا. أعلام نعتز بها ونفخر. الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، اعتبر السيد المسيح، سيدنا عيسى عليه السلام، أول شهيد في فلسطين. وحرص على إحاطة نفسه دائما بقادة مسيحيين في الثورة، ووضع قوانين تضمن رئاسة مسيحية للبلدات المسيحية في الدولة الفلسطينية العتيدة، في بيت لحم ورام الله وبيت جالا وبيت ساحور وبير زيت والزبابدة، لضمان التمثيل المسيحي بارزا في الهوية الفلسطينية.

وتاريخنا العربي مليء بالنماذج الراقية لهذا النهج، المعبر عن ثقة عالية في النفس والتزام عميق بأصول ديننا الاسلامي السمح.

ولذلك، عندما نرى اليوم أبناء جلدتنا من المسيحيين يشعرون بالضيق وانعدام الأمان في عدد من أوطاننا العربية، فإن ذلك مخجل.

لقد أشارت آخر التقارير إلى أن 554 كنيسة في سوريا دمرت خلال الحرب الأهلية هناك، وتم تهجير مليون ومئة الف مسيحي من سوريا إلى دول الجوار خاصة لبنان. وقد هاجر إلى استراليا وكندا وأمريكا وأوروبا من تركيا والعراق والاردن ولبنان وسوريا حوالى 720 ألف مسيحي مع كامل عائلاتهم وأولادهم بتأشيرات هجرة دون رجوع لان شرط إعطاء الاقامة هو عدم العودة وبذلك يكون قد بقي في سوريا نصف مليون مسيحي في منطقة الساحل يتحضرون للهجرة من سوريا الى بلدان تعطيهم إقامة دائمة دون رجوع.

وفي فلسطين المحتلة عام 1967، لم يبق سوى 9000 مسيحي من أصل مليون ومئتي ألف. وفي العراق، 31000 من أصل اربعة ملايين. وبلغ عدد المسيحيين الذين هاجروا من لبنان خلال 40 عاما أكثر من أربعة ملايين، واختزلت نسبتهم من السكان اليوم من 52% الى حوالى 23%. وبعد إحراق مئات الكنائس في مصر تضاعف عدد المهاجرين الأقباط من وطنهم مرتين.

لا نقول إن كل هؤلاء هجروا بسبب تصرفاتنا نحن المسلمين. وهناك أعداد أكبر من المسلمين هجروا أوطانهم العربية أيضا. لكن الهجرة النابعة من تدمير كنيسة، أو من اعتداء ينضح بالعنصرية والتعصب الطائفي، موجعة أكثر. وهي موجعة للمسلمين المخلصين للإسلام أكبر واكبر، لأن نبي الاسلام الكريم علمنا أن نكون سببا في الأذى لأهلنا من الأديان السماوية الأخرى. ولا نغفل حقيقة أن هناك ما لا يقل عن 300000 مسيحي عربي يعيشون اليوم بكرامة وعزة في دول الخليج جميعها.

إن شعور أهلنا المسيحيين العرب بغربة في أوطانهم العربية، وإحاطتهم بجو ينعدم فيه الأمان والاطمئنان، لهو بالأمر المعيب الذي يحتاج إلى علاج فوري وحساب نفس عميق. وبرغم قناعتنا بأن هذه قضية وطنية، علينا نحن العرب أجمعين أن نسويها، مسلمين ومسيحيين على السواء، إلا أنها قضية تخصنا نحن المسلمين أكثر قليلا وفي الأساس دفاعا عن إسلامنا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث