التسميم والتأثيم

التسميم والتأثيم
عدلي صادق
لم يكن ثمة التباس، حول حقيقة تسميمه. فقد تحدثوا هم أنفسهم، عن الآلية التي يريدونها لارتكاب الجريمة، بحيث لا تترك أثراً لبصماتهم، تخفيفاً لردود الأفعال في العالم الذي احترم ياسر عرفات وأكبر صموده ونضاله وتمسكه بثوابت شعبه وفي مقدمها القدس وحقوق اللاجئين. ولم يكن ثمة متغابٍ في العالم، ينكر أن الفاعلين هم.

كانت الأحاديث تدور حول الأدوات التي أوصلت السم إلى جوفه الطاهر، وهي أدوات ووسائل للوصول، تسهل على المحتلين الذي كان يحاصر الزعيم ويعتبره غير ذي صلة، ويتهدده بالموت، ويؤازرهم الفاشلون الأغبياء المتواطئون، من حاكمين أسقطتهم شعوبهم ولونت سحناتهم بالسخام، أو حاكمين ماكثين ومأزومين تتلون سحناتهم بسخام مماثل، ما زلنا نذكر كيف قاطعوا “الختيار” وضنّوا عليه بمكالمة هاتفية، أو رفضوا حتى ظهوره على شاشة “الفيدو” لكي يخاطب القمة العربية في بيروت!

لا جديد في القناعات. فـ “أبو عمار” قتل بأنواع كيماوية وأخرى سياسية من السموم، والمشاركون كُثر، وهم بعدد أقل بقليل من عدد الوجهاء الذين شاركوا في جنازته الأولى في القاهرة!

بخلاف الذين أرسلوا السم، والذين دسوّه، هناك من أجهزوا على حصانته السياسية من خلال البغضاء ومقاطعته والإجهاز على غلاف وقايته، ضمن منظومة العلاقات الدولية، التي ينبغي أن تكون فيها أمة العرب، وأقطارها، ذات شأن.

فالأمريكيون، أسيادهم، أبلغوهم أن على عرفات أن يغيب، قبل أن يتولى جورج بوش الإبن ولايته الثانية. ولم يكن التحفز لتصفية الزعيم الفلسطيني سراً. فما زالت أرشيفات الأنباء والتصريحات، تحفظ إشارات التحفز الصهيوني لقتل الزعيم الفلسطيني، بكل مضامينها الوقحة!

ولكي يتحاشى الجناة الأساسيون، أية مساءلة، نرى الأمور حتى الآن ذات التباسات مفتعلة. حتى الفحوصات المخبرية، التي لا تعرف المواربة، ما زالت تقول الشيء ولا تقوله.

بل إن التقرير السويسري الأخير، يتعمد بدء كل جملة، بكلمة “قد” التي تفيد التوقع، لذا فإن “قد” هذه، لا تساعد على تأسيس قرار اتهام صريح، بمعايير القضاء، وإن كان السياق الذي جاءت فيه، يؤسس قرار اتهام سياسي لا لُبس فيه!

ويرى واحدنا في “قد” المستمرة، استمراراً لمساعدة الجناة على الإفلات من الإدانة، والإفلات من العقوبة. فإسرائيل هي نقطة الترويج، على المسرح الدولي، لثقافة الإفلات من العقوبة ولثقافة الاستهتار بالإدانة. ولنفترض أن الذين يساعدون بـ “قد” والذين ساعدوا ببغضائهم ومقاطعتهم، والذين أوصلوا السم إلى جوف الرجل التاريخي، والذين أرسلوا السم، قد انكشفوا جميعاً بالإسم والعنوان وبصفاتهم الشخصية والاعتبارية، فما الذي سيجعل العدالة تأخذ مجراها في عالم مسمم، يترك شعوباً بأكملها تُنحَر، وأوطاناً تستباح، وملايين تُحاصر، وإرادات شعوب تسرق وتشوّه.

إن قضية “أبو عمار” هي قضية الدنيا والإنسانية، ولا حل لها إلا بمجرى تاريخي عام، تتهيأ فيه الشعوب قاطبة، لامتلاك إراداتها الجمعية، والإقلاع عن تعاطي مخدرات التمايز الطائفي والمناطقي، ونبذ الصراعات “العبيطة” واستعادة وحدة الأمة، ومواجهة العدو الوحيد وحليفته ممتهنة كرامات الشعوب ومنتهكة الأوطان، والمتطفلة على كل تفصيل من تفصيلات حياتنا السياسية والاقتصادية!

أما على الصعيد الفلسطيني، فإن درس التسميم، لا يقتصر على تكريس التأثيم البليغ للمحتل الذي اقترف الجريمة. إنه إشارة قوية تذكرنا بطبيعة التحدي الذي نواجهه.

فـ “أبو عمار” اختار التسوية، وتحمل الكثير من أجل تحقيقها، وكان يحلم بالتوصل إلى اتفاق معقول، يمكّن شعبنا من وضع أقدامه على أرضة لكي يظفر باستقلاله، وأن يستهل صيرورته الحضارية وأن يعزز وجوده على أرض الآباء والأجداد، في مسار تاريخي مضاد للمسار الذي قطعته الحركة الصهيونية منذ أن بدأت خطتها لانتهاب وطننا.

الآثمون قتلوا رجلاً أراد التسوية وتحمل من أجلها كل التخرصات. معنى ذلك إن ما فعلوه يمكن أن يتكرر مع سواه، فلا أمان لهم. وواجبنا الآن، بعد أن عبرنا المرحلة التي قُتل فيها “أبو عمار” أن نرفع البنيان على القواعد التي أرساها، وأن نستشعر كل عوامل الصراع الذي ما زال قائماً، وأن نعزز ثقافة الدولة وأن نُرسي قيم العمل الوطني في حياتنا اليومية، مع الصمود، وتكريس أخلاقيات العمل العام، وتحري العدالة والالتحام بالمجتمع.

فـ “أبو عمار” كان يرى في الفلسطينيين جميعاً، من كل ألوان الطيف، عشيرته ومنطقته وطائفته ومهوى فؤاده وأصحاب حق عنده حتى لو اختلفوا معه. فلا جديد في حكاية التسميم، ولا في عنوان التأثيم!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث