الخواجة

الخواجة

تاج الدين عبد الحق

تابعته عندما كان يكتب زاوية أسبوعية في مجلة المستقبل الباريسية. كنا نحبو في بلاط صاحبة الجلالة، فيما كان الصديق الكبير الأستاذ سمير عطا لله اسما ورسما يزين مجلة من أهم المجلات العربية في ذلك الزمان. بدا لي أقرب للخواجة، لا بسبب صورته التي تذكر بالزعيم الفرنسي ديغول، بل بسبب موضوعات مقالته الأسبوعية التي تخصصت بالشأن الدولي.

منه عرفنا عن أزمات تتجاوز اهتماماتنا القطرية والقومية، ومن خلاله تعرفنا على بلاد وزعامات لم نكن نسمع بها، أو نعرف موقعها حتى على الخريطة، تعلمنا منه أهمية وفرة المعلومات في أي مقال، رغم أن موضة تلك الأيام هي المقالات التي تعبر عن رأي شخصي، أو رؤية انطباعية .

في العادة كاتب بمثل هذه الاهتمامات، لايكون ( نجم شباك) حسب تعبير نقاد السينما ومريديها. لكن ما جعل الأستاذ سمير عطالله يتقدم للصف الأول، قدرته على توظيف لغته الأدبية _ بالمناسبة هو روائي – في كتابته الصحفية. وبراعته في استخدام المفردات التي تجعل من المقال مقالا ناطقا تتجسد فيه نبرة السؤال، وعلامات السخرية والاستهجان أو حرارة الإعجاب والاستحسان .

منذ 30 عاما يكتب يوميا في الشرق الأوسط اللندنية ، فضلا عن مقال أظنه أسبوعيا في النهار اللبنانية، وبين هذه وتلك يصدر كتابا أو رواية، زادت عن عشر، ويترجم من اللغتين الانجليزية والفرنسية، إما اختيارا من قراءاته الغزيرة في اللغتين، أو تكليفا من جهات وأشخاص تقصده تقديرا للمستوى الفني الذي تمتاز به ترجماته ومن هؤلاء على سبيل المثال الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل الذي كان يعهد له بترجمة كتبه التي كتبها باللغة الإنجليزية للعربية، ثقة بالمستوى الرفيع الذي تمتاز به كتابات وترجمات الصديق الكبير.

لم تكن القراءة والكتابة هي العالم الوحيد لسمير عطالله، فهو دائم الترحال، من كندا حيث عاش زمنا إلى نيويورك التي درس فيها، إلى لندن وباريس محطتي العبور الدائمة للعالم الجديد، ومربط خيل الهاربين من العالم القديم، مرورا بالكويت التي أسس فيها جريدة الأنباء، وعواصم الخليج التي له فيها معجبون، وأصدقاء كثيرون ثم إلى ضيعته في لبنان التي يأتي إليها كلما راقت الأحوال.

دخلت دائرة معارف الأستاذ سمير عطاالله قبل أكثر من عقدين، كان ذلك في مسقط في سلطنة عمان، عندما جاورته لحسن الحظ في مؤتمر صحفي بمناسبة عقد مؤتمر قمة خليجي هناك، يومها وجدته منصرفا للكتابة كما لو كان صحفيا مبتدئا مكلفا بتغطية المؤتمر، لكني عرفت بعد ذلك أنه كان يكتب مقاله اليومي، ولم يكن يتابع ما يجري حوله. يومها عرفت منه طقوسه في كتابة المقال. يكتبه في رأسه أولا وهي عملية قد تشغله عدة ساعات بين قراءة ومتابعة، في حين أن تفريغ الفكرة لا يستغرق أكثر من نصف ساعة لايحتاج خلالها إلى حذف أو تغيير كلمات أو عبارات مما يكتب إلا فيما ندر.

وراء تطور علاقتي بالأستاذ سمير عطالله قصة تروى: ظن لطول مقامي في الإمارات أن لي دالة ونفوذا يستعين بهما، لدى شخصية أعمال إماراتية، وكنت أظن أن كاتبا بحجم سمير عطالله ومكانته لا يحتاج إلى تزكية من أحد، وهو ما دفعني إلى إظهار استعدادي الكامل لاستخدام ( نفوذي !) لدى تلك الشخصية، ظانا أن جل ما أحتاجه من نفوذ هو تقديم الأستاذ عطا الله، والتعريف به. لكن لسوء حظي وتقديري، فإن تلك الشخصية خذلتني كما لم تفعل شخصية أخرى، وليعلق بي بسببها لقب صاحب النفوذ الذي يدعوني به الأستاذ سمير ممازحا، كلما قابلته أو هاتفته.

ومن باب الشيء بالشيء يذكر، ترافقت وإياه من أبوظبي لدبي، في الطريق تلقى مكالمة بدأها بعبارة ( حياتي.. اهلا كيفيك مشتاقلك)، وتابع على مدار ربع ساعة عبارات غزل من هذا النوع قبل أن أتبين أن من تكلمه زوجته التي تركها قبل أسبوعين. كان وقتها قد مضى على زواجه من أم نصري أكثر من 30 عاما لكنها لم تكن كافية فيما يبدو لإطفاء جذوة الحب التي ربطته بها، أو تغيير نمط سلوكه الذي يعزز انطباعي عنه بأنه خواجة لا بالشكل فقط، بل بالمعنى اللبناني للكلمة وهو حسن المعاملة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث