مواقف البعض من الصراع في سوريا

مواقف البعض من الصراع في سوريا
المصدر: عدلي صادق

لعل السياسة، باعتبارها علماً، يتعاطى العارفون به، مع حيثيات الواقع، فيعاينونها، ويحددون مواقفهم إزاءها بوسائل التحليل الصحيحة؛ هي الغائب الأكبر في كثير من المواقف المتعلقة بالتطورات العربية. وليس أخطر ولا أفدح، من بين كل هذه التطورات، من الحال الذي وصلت اليه سوريا الغالية على قلب كل عربي، بل وعلى قلب كل إنسان، لديه الحد الأدنى من الإحساس بالعدالة وبالإخوّة العربية، أو يعرف الحد الأدنى من تاريخ الحضارة، ولديه بعض الإحساس بالأخوّة الإنسانية.

موقف الإيرانيين، ومعهم “حزب الله” وانخراطهما في الصراع الى جانب نظام الأسد، يُمكن أن يُفهم أكثر مما تُفهم مواقف بعض اليسار واليسار القومي العربييْن، اللذين يتمنيان نجاح الأسد في إرجاع الشعب السوري الى بيت الطاعة، صاغراً محزوناًَ، متفجعاً على ضحاياه، بدءاً من الأحرار الديموقراطيين، وانتهاء بالأطفال قبل سن الفطام. الطرفان الأولان، النظام الإيراني و”حزب الله” (وهما في الحقيقة طرف واحد) لا يتكتمان على كونهما في حلف وجودي مديد، لا انفصام له، مع نظام الأسد. لكن قراءة الطابع الخاص، لهذا الحلف، بمفردات السياسة؛ تنم عن كونه مشروعاً إقليمياً، ليست الأوطان فيه سوى ساحات، وهي ساحات لا أهمية لقضاياها التفصيلية.

وشتان بين “ثورة” تريد استخلاص وطنها من بين أنياب الذين وقع في أيديهم، و”ممانعة” تشطب السياسة والوطن، من حيث هو إطار جغرافي لحياة الناس، له قضاياه التفصيلية، وتُحيله الى حلقة من مشروع إقليمي تتوافر على خدمته. فالسوريون انتهى بهم الإلحاح في طلب السياسة والعدالة وجودة الحياة في الصحة والتعليم وفضاءات الحرية، الى جعل مسعاهم قضية ثورة أو تمرد إجباري أو انتفاضة، سمها ما شئت.

ولبؤس حظهم، أن ثلاثة أطراف من ذوي المشروعات الذين يحولون الأوطان الى ساحات، هرعوا الى سوريا الغالية إما لإلحاق الهزيمة بثورة الشعب السوري، أو لركوب موجة ثورته وإيذائها، لاقتناص ساحة ليست مجيّرة لهم بالكامل، أو لم تكن لهم وإنما كانت لسواهم، ولم يكونوا فيها. النظام الإيراني، والسلفية الجهادية، والأمريكيون الذين لم تصرف عيونهم النظر عن خارطة الكون، توخياً لمتطلبات الهيمنة الاستراتيجية!

السوريون الذين دفعوا حتى الآن، ثمناً باهظاً لإسقاط الاستبداد، هم وحدهم الذين في وسعهم القول، إن القضية “هنا.. في بلادنا”. أما كل الذين يتلطون بمشروعات متخطية نظرياً للحدود، وتقارع إسرائيل، نظرياً كذلك؛ فإن القضية بالنسبة لهم، ليست في أوطانهم، وإنما هي “هناك.. في الساحات الأخرى”.

وبذريعة مقارعة إسرائيل التي يُفترض أنها مقارعة واجبة ونبيلة، تُشطب السياسة والحرية والحقوق الإنسانية، وتتردى الصحة والتعليم والاقتصاد كله، وتُعتقل إرادة الشعب، ويبقى الحكم على تخلفه وفساده وغبائه، دون أن يتقدم حال “الساحات” قيد انملة، لا في إيران ولا في العراق، ولا في لبنان، ولا في فلسطين ولا في سوريا نفسها. فكل شيء يتداعى، لكي يبقى “المشروع” مطروحاً على العالمين، يقوم عليه مستبدون وفاسدون وطائفيون من كل ملّة، ليسوا مؤهلين لإحراز أي نجاح على أي صعيد، باستثناء المهارة والمثابرة، في القبض على رقاب الناس وممارسة الإكراه على خلق الله!

وحتى الحراك في مملكة البحرين، وهو لا يخلو من مطالب محقة، إذ يتكرر الاستشهاد به وبأحداثه، عند الحديث عن ازدواجية معايير في أحكام بعض العرب؛ لم يسلم من أذى المنطق الذي يرى في الأوطان ساحات. فالإيرانيون يرون الجُزر، ساحة يلعبون فيها، أي يرونها حلقة من مشروع ذي ساحات يتوخون توسيعة في المنطقة. والناشطون البحرينيون المرتبطون بإيران، لا يتطلعون الى “هنا.. البحرين” قدر ما يتطلعون الى “هناك.. إيران”.

ذلك بينما قوة أية ثورة، تكمن في قدرتها على الاستغراق في “هنا” حيث ينبغي أن يعلو شأن الحرية والعدالة والاقتصاد، وتتقدم البلاد على كل صعيد. فالأوطان وأنظمة الحكم الراسخة هي وحدها القادرة على الأسهام بفاعلية، في أي جهد جماعي على طريق نصرة القضايا العادلة للأمة، عملياً لا نظرياً ولا طنيناً.

بقي القول إن بعض اليسار، وبعض اليسار القومي، العربييْن، اللذيْن يتعاطفان مع المجرم ضد ضحاياه، ليسا في العير ولا في النفير بالنسبة لذوي المشروعات المتخطية للحدود. فإن كانا يتحسبان من مشروع السلفية الجهادية، ومن المشروع الأمريكي (والمشروعان متصادمان) فإنهما سيظلان منبوذين من حسابات الأطراف الثلاثة. ومعلوم أن الحلف الإيراني ـ الأسدي لا يستوعبهما، وهو ذو تاريخ طويل من العسف والإيذاء لرموز اليسار واليسار القومي. أما الطرفان اللذان ركبا موجة الثورة السورية، فلا يستوعب الواحد منهما نفسه ولا حلفاءه، فما بالنا بخصومه. السلفيون الجهاديون يتقاتلون، وفي حلف دول الاستعمار القديم، تتجسس واشنطن على باريس وبرلين وعلى نفسها.

من يشأ أن يكون في العير وفي النفير؛ ليس عليه سوى النظر بعدالة لقضايا الشعوب التي تقول إن مشكلتي الآن هنا. كأن هؤلاء فشلوا حتى في “احترام” منطق الأسد نفسه وأنكروه، وكأنه ليس هو الذي خطّ أتباعه على الجدران “الأسد أو نحرق البلد”. تراهم يرغبون في إحالة الشعار الى الشيخ القرضاوي، وجعل طائرات قطر هي التي تقصف وتُبيد. أما عندما يكون المتعاطف مع الأسديين من “فتح” فإننا نصبح بصدد كوميديا شبيهة بحكايات اسماعيل ياسين والشاويش عطية، حيث “يستهبل” واحدهما على الآخر، متجاهلاً نواميس الطبيعة وقصة الحياة، منذ الطفولة حتى البلوغ!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث