ينابيع الصراع السني الشيعي في الشرق الأوسط

ينابيع الصراع السني الشيعي في الشرق الأوسط
المصدر: إرم- (خاص) من مدني قصري

في تحليل لها قالت صحيفة “لوفيغارو” إن طموحات جيوسياسية تقف وراء صراع الهيمنة بين طهران والرياض، على خلفية الحرب في سوريا والانسحاب الأميركي من المنطقة، فهل المنطقة مقبلة على انهيار الحدود؟

سوريا ولبنان والعراق … ومعها الشرق الأوسط، يومًا بعد يوم، تغرق في دوامة من العنف الطائفي. كما لو أن الربيع العربي تحوّل إلى مواجهة حقيقية بين إيران الشيعية، والسعودية السنية. تُرى، كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد ؟ وكيف أمكن التحوّل من “الربيع العربي” إلى الصراع بين السنة والشيعة؟

الانتقال من “الربيع العربي” إلى صراع ما بين السنة والشيعة

حدث ذلك في مارس 2011، عندما انتفض الشعب السوري ضد النظام في دمشق، مستوحيَا ثورته من الثورة التونسية والمصرية و الليبية، و- على نطاق أصغر- اليمن والبحرين.

لكن الذي بدأ ثورة سلمية تواكبها مواكبٌ متمردة ما لبث أن تحوّل إلى حرب أهلية بين الأقلية العلوية في السلطة، المنبثقة عن المذهب الشيعي، وبين تمرّد تُهيمن عليه الأغلبية السنية.

صراعٌ طائفي “يفيض” اليوم على لبنان، غربًا، وعلى العراق شرقًا. “في كل مكان يشتد الصراع الطائفي ويحتد. لكننا لا يمكن أن نحصر الحريق الطائفي الحالي، في المواجهة الدائرة بين الشيعة والسنة وحدهما. فلكل الانتفاضات منطقها الذي لا يتغير. وبالإضافة إلى ذلك، نحن في مرحلة انتقالية فوضوية تُدمَج فيها جميعُ أنواع الديناميكيات المتناغمة بعضها مع البعض الآخر: هشاشة هياكل الدولة، وتطرّف مختلف العشائر، وتداخل المجتمعات، وإعادة تشكيل دور الولايات المتحدة في المنطقة”، هكذا يقول بيتر هارلينغ، مدير مشروع العراق وسوريا ولبنان في مجموعة الأزمات الدولية (كريسيس غروب).

هذا الصراع الطائفي – الذي يعود تاريخيه إلى نزاعٍ مرتبط بسلالة النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – والذي تؤجّج الأزمةُ السورية نيرانَه اليوم، ليس صراعًا جديدًا.

“لا شك أن واحدة من المشاكل الكبيرة التي تتحمّلها الدول العربية القومية هو أنها ظلت تخنق هذه التصدعات من دون أن تعالجها حقا”، هكذا يقول إميل الحكيم، من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، الذي نشر للتو كتابًا عن الانتفاضة السورية. لكنْ في رأي هذا الخبير في الشؤون السورية، أن المشكلة السورية الحالية تُخفي مشكلة أعمق، ألا وهي مسألة “العصبية “، ذلك المفهوم الذي طرحه وتناوله بالتحليل في القرن الرابع عشر المؤرخ ابن خلدون، والذي طرحه من جديد في الثمانينات من القرن العشرين، عالمُ الاجتماع الفرنسي، ميشال سورا، في كتابه “دولة الهمجية”، في إشارة إلى الطائفية التي مُورست في عهد بشار الأسد، والتي كرّسها ابنُه بشار.

“عندما تشعر هذه الأنظمة أنها أصبحت مهدّدة تلجأ إلى الاستراتيجيات الطائفية، لأنه بهذه الطريقة تتمكن من أن تحشد بقوةٍ جماعاتٍ أساسية، حتى تضمن بقاءَها”، يضيف إيميل الحكيم.

طهران والرياض تخوضان حربًا بالوكالة

وتساءلت لوفيغارو في تحليلها “هل طهران والرياض تخوضان حربًا بالوكالة؟ قائلة “الصراع الحالي صار أكثر خداعًا وغدرًا، لأن الذي يغذيه خصومةٌ قديمة بين العربية السعودية السنية وإيران الشيعية، اللتين تتحاربان من خلال فاعلين ووسطاء.

ففي شهر يونيو 2012، تجلت في العلن هذه الحربُ الدائرة في الظل مع استعادة القصير، غربي سوريا، على يد قوات الأسد، – المدعومة من رجال حزب الله اللبناني. فبعد أن جاءها نبأُ تقدّم المتمردين – بدعم من دول الخليج، ومن بينهم السعودية- دخل الجناح العسكري لحزب الله الشيعي، علنًا في قلب البؤرة السورية، وبناء على أوامر من طهران، لحماية هذه “العقدة الاستراتيجية” على طريق تمويل المقاومة ضد اسرائيل، بالأسلحة. وقد كان هذا الالتزام مكلفًا: فبعد مرور شهرين ضرب هجومٌ غير مسبوق معاقلَ حزب الله في قلب ضاحية بيروت، متسببًا في مقتل 29 شخصًا. ومنذ ذلك الوقت يعيش لبنان على وتيرةٍ متقاطعة من السيارات المفخخة التي تُزرع في المناطق ذات الأغلبية الشيعية أو السنية التي دفعت فيها سفارةُ إيران الثمنَ أيضًا في شهر نوفمبر الماضي.

فعلى هذا الطرف وذاك هناك مزيجٌ من الدعاية الدينية والأيديولوجية التي تغذي التوترات. ففي سهل البقاع، حيث تنتشر صور “الشهداء” اللبنانيين الذين سقطوا في سوريا، يُحيي أنصارُ الشيعة شجاعة المقاتلين الذين ذهبوا حتى ضواحي دمشق “للدفاع عن مرقد السيدة زينب الشيعية”. وفي طرابلس، معقل السنة، يوصَف العلويون بـ “الكافرون” وبـ “عملاء إيران الشيعية”. وهو الخطاب الذي ما انفك يمتد ويتوسع إلى أن وصل إلى الفلوجة، في العراق، حيث تقول الميليشيات السنية المرتبطة بتنظيم القاعدة، والتي استعادت المدينة مؤخرًا، أنها تتحرك “للدفاع عن أنفسها ضد جيش المالكي، وضد الصفويين الإيرانيين.”

وهو هو يثير مخاوف الأصوات المعتدلة، التي أصبحت رهائنَ لهذه الدوامة من العنف الطائفي الذي يلوث المنطقة. “ربما نشهد واحدة من أسوأ الأوقات في تاريخنا. فالغرب لم يعد هناك، ونحن صرنا تحت رحمة قوتين إقليميتين، السعوديين والإيرانيين، وكل منهما متعصب بطريقته. ولا أرى أي مخرج لهذا الوضع!” هكذا قال في قلقٍ الروائي اللبناني إلياس خوري في صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 6 يناير الماضي.

جذور الصراع

ما بين المملكة العربية السعودية، حارسة عقيدة الأغلبية السنية، وإيران الشيعية، يعود الكفاح الحقيقي من أجل النفوذ – الأيديولوجي والاستراتيجي على السواء – إلى الثورة الإيرانية عام 1979، واستيلاء رجال الدين على السلطة. “واحدة من أول الأشياء التي قام بها الإمام الخميني لدى وصوله إلى السلطة، هو التشكيك في سيطرة السعودية على مكة المكرمة. وقد رد السعوديون على الفور، من خلال تقديم الشيعة كطائفة هرطقية. فلا شك أن البعد الديني أمرٌ أساسي في طموحات القوة عند هاتين الدولتين”، هكذا يقول إميل الحكيم.

وبعد مرور ما يقرب من خمسة وعشرين عامًا، في مارس 2003، جاء الغزو الأمريكي للعراق، وسقوط بغداد، ليؤجج مخاوف الرياض. فتحتَ سيطرة صدام حسين، الدكتاتور السني، ظلت البلاد لأكثر من عشرين عامًا تميل تدريجيًا إلى ناحية الأغلبية الشيعية فيها. “أطاحت الحرب في العراق بالوجه السياسي للمنطقة. فلأول مرة يستولى الشيعة على السلطة في بلد عربي”. لكن المملكة العربية السعودية لم تهضم هذا التغيير”، يقول كريم باكزاد، الباحث المشارك في ايريس ( معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية). ففي رأيه أن السعوديين باتوا يشعرون اليوم بأن الخطر يهدّدهم، إلى الحد الذي يجعلهم يقولون أن واشنطن، حليفتهم الوفية، والتي تسعى اليوم للانسحاب من المنطقة، قد “خدعتهم”. “الشرق الأوسط لم يعد أولوية بالنسبة للولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك رأت الرياض أن واشنطن تخلت عنها، عندما أعلنت هذه الأخيرة خلال هذا الصيف، عن عزمها توجيه ضربة ضد الأسد، قبل أن تتراجع عن إعلانها. وكل ذلك ضمن سياق تراجع التوتر الإيراني الأميركي حول نزاع الملف النووي”.

حربٌ تُخفي حربًا

ففي هذا المناخ يقدّم كل معسكر بَيادقه. ففي مواجهتها لتقدّم الجهاديين السنة، التابعين للدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، في بعض المدن العراقية، اقترحت طهران على حكومة نوري المالكي الشيعية في الآونة الأخيرة، مساعدتَها العسكرية. ومن ناحيتها منحت الرياض في الآونة الأخيرة، 3 مليارات دولار للجيش اللبناني، لشراء أسلحة فرنسية، لمواجهة الترسانة العسكرية التي يمتلكها حزب الله الموالي لإيران.

لكن هذا التوازن في القوة قد تكون له تبعات مضادة للآثار المرجوة، إذا ما عرفنا أن لبعض العسكر اللبنانيين بعض الأُلفة” مع حزب الله.” وهنا الخطرُ كل الخطر لهذه الحرب التي تجري بالوكالة، والمُولّدة لصراعات ثانوية لا يدري أحد تبعاتها.

فحالة الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام التي أدّى صعودها في سوريا إلى إشعال هجوم مضادٍ من قبل متمرّدين آخرين، وهم من السنة أيضاً، وأكثر اعتدالا، لَمؤشرٌ آخر لعواقب هذه الحرب الدائرة. فهذه الجماعة المرتبطة بالقاعدة، والتي ليست من صنْع العربية السعودية، تتغذى من إيديولوجية متطرفة يشتهيها البعض في داخل المملكة. “المشكلة أننا نشهد تصعيدًا دينيًا فقَد فيه المعسكران سيطرتهما، يقول بيتر هارلينغ، مدير مشروع “مجموعة الأزمات الدولية”.

حدود وطنية مهددة بالانفجار

في أثناء ندوة دولية نٌظمّت مؤخرًا حول الإرهاب، والتي طُرحت فيها المسألة السورية بتوسّع، قال المدير السابق لـ سي أي إي، مايكل هايدن، أخشى أن تُفكك البلادُ إلى طوائف متصارعة”. “وهذا يعني أيضًا نهاية سايكس بيكو.

وهو ما سوف يؤدي بعد تفكيك الدول التي أنشئت في المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى”. هكذا قال في إشارة إلى الحدود التي رُسمت في إطار الاتفاقيات الفرنسية البريطانية العام 1916. ففي اعتقاده “أن المهين في الوقت الحالي في سوريا، هو سيطرة الأصوليين السنة على جزءٍ مُهمّ من جغرافية الشرق الأوسط.”

إلا أن معظم المراقبين لا يتفقون مع هذا الطرح.”فإذا كان صحيحًا أن طموحات الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام تتجاوز حدود البلد الواحد، فإن الجماعات الأخرى المناهضة للأسد تحدّد أهدافها في داخل الأراضي السورية أيضًا – بما في ذلك سلفيّي الجبهة الإسلامية”، يقول إيميل حكيم. إذ ثمة أكثر من خطر واحد لـ “تفكيك الحدود”. هنالك، حسب هذا الخبير بالشؤون السورية، إمكانية “التوزيع الذاتي الناعم” للبلاد، أي تقسيمها إلى كيانات مختلفة. لكن هذه الكيانات لكي تستمر “سوف تضطر للاحتفاظ بمستوى معين من التبادل فيما بينها”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث