الأسباب الموضوعية وراء أفول الإمبراطورية الأمريكية

الأسباب الموضوعية وراء أفول الإمبراطورية الأمريكية
المصدر: إرم- (خاص) من إميل أمين

تستدعي الأحداث الدولية المتتابعة -لا سيما ما يجري في نصف الكرة الأرضية الشرقي الآسيوي- طرح علامة استفهام حول مستقبل الإمبراطورية الأمريكية وهل من أسباب موضوعية تدعم القائلين بأفولها في المدى المتوسط وليس البعيد؟.

الشاهد أن هناك الكثير، لكن نختار عددا قليلا من تلك الأمثلة وفي مقدمتها الأزمة المالية التي تضرب البلاد منذ العام 2008، وحتى الساعة وعلامة الاستفهام هل هي أزمة مالية بالفعل أم إشكالية أخلاقية ستجر من خلفها واشنطن إلى طريق الانهيار التقليدي الذي تمضى عليه الإمبراطوريات؟

بداية،السبب الأكيد لتلك الأزمة أخلاقي، إذ أن تحليل المشهد يقودنا إلى ظاهرة اقتصادية تعرف بظاهرة “التوريق” وهي باختصار غير مخل تعني “الكذب” لأنها تعطي قيمة أسمية للأشياء مثل المنازل التي لا تتساوى مع القيمة الفعلية الحقيقية لها من أجل أن يحقق الوسطاء أكبر قدر من المكاسب السريعة دون مجهود حقيقي يقود لإنتاج فعلي.

الأمر الثاني في الأزمة المالية أخلاقي أيضا، فكذب إدارة بوش الابن على الأمريكيين، وادعاءه مبررات واهية غير حقيقية قادت البلاد بالفعل للدخول في حروب، مثل نووي العراق، وكلفت خزينة الدولة عدة تريليونات من الدولارات، وباتت واشنطن اليوم مهددة بتوقف سداد ديونها للعالم، لولا رفع سقف الدين إلى 17 تريليون، وهو مبلغ خرافي لا يعلم الأمريكيون أنفسهم كيف لهم أن يسددوه لأصحابه حال طلبوه، وهي الحالة التي كادت أن تحصل منذ بضعة أشهر في أزمة الموازنة الشهيرة.

وهناك قضية فرط الامتداد الإمبراطوري، فخزينة واشنطن دفعت منذ نهاية الحرب الباردة مليارات الدولارات من أجل تعزيز هيمنتها على العالم، انطلاقا من رؤية فكرية مفادها أنها تحملت أعباء مواجهة الاتحاد السوفيتي، ويحق لها الآن أن تحصد الأرباح مهما كلفها الأمر، وفاتها أن أكلاف الحصاد ربما تتجاوز منجزات الفوز والنصر في المواجهة مع الروس وكان المأزق.

أحد المشاهد الأخيرة التي تؤكد على أن الخوف بدأ يدب في جسد وعقل الإمبراطورية الأمريكية المنفلتة هو ظاهرة التجسس التي تكشفت أوراقها مؤخرا، ورغم أن الجاسوسية ظاهرة قديم قدم الجماعات الإنسانية والدول والمؤسسات البشرية منذ زمن بعيد، إلا أن الكم والكيف اللذين جرت بهما المقادير، وتكشفت عنها وثائق سنودن الأخيرة، واعترف بها عدد من كبار المسؤولين، يؤكد أن واشنطن انحرفت بالفعل عن السياقات العقلانية حتى للتجسس، فبدلا من أن توجه أجهزة تنصتها على الأعداء، باتت توجهها كذلك على الأصدقاء والحلفاء، ولم تعد تكتفي بالقادة، بل أضحت تجمع مليارات الاتصالات لبشر عاديين، ويعني هذا أن أوهام الاستثنائية الأمريكية التي تحدث عنها أوباما من على منصة الأمم المتحدة، باتت بالفعل تتحكم في ثنايا أو خبايا العقل الأمريكي، وكشفت تلك المفاجآت عن عزم أمريكي لا يلين على صبغ العالم بصيغة أمريكية.

ماذا عن المؤامرات الامريكية حول العالم ؟. خذ إليك على سبيل المثال، ما عرف بظاهرة الربيع العربي، فلم يكن الذي جرى ربيعا من الأصل، ولا عربيا في الأساس، ولم يكن المشهد أكثر من إذكاء جذوة الأصولية في المشرق العربي، ولاحقا تصديرها إلى روسيا والصين، حتى تتمكن واشنطن من تحقيق استراتيجياتها الأبعد المعروفة ب‍”الاستدارة نحو آسيا”.

أما على صعيد الداخل الأمريكي فهناك عدة ظواهر تشير بالفعل إلى أزمات حقيقة ربما تقود إلى مستقبل غير مؤكد للبلاد، وفي المقدمة من تلك الظواهر تنامي الحركات العنصرية مرة جديدة، لا سيما بين الأمريكيين من أصول إفريقية.

يطفو أيضا على السطح ظهور الأقليات غير البيضاء وبقوة، مثل العرق اللاتيني ، هؤلاء سيضحون عما قريب رمانة الميزان في ترجيح كفة مرشح ما سواء على صعيد الحياة النيابية، أو الرئاسية، وبذلك لن يبقي أل‍ـ”WASP” أي البيض البروتستانت الأنجلو ساكسونين هم أصحاب الريادة والقيادة الأمريكية في العقود القادمة.

يتشدق اليمين الأصولي الأمريكي أن أمريكا هي ” مدينة فوق جبل” تنير للعالم الجالس في الظلمة نورًا وسلامًا، ديمقراطية وأمانًا، ، غير أن مشهد أمريكا المرائية اليوم يجعلها دون شك نموذجا غير محبب أو مقرب إلى قلب العالم، وربما هذه تكون البداية الحقيقة لأفول الإمبراطورية الأمريكية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث