القرم “تصفع” أمريكا بانضمامها إلى روسيا

القرم “تصفع” أمريكا بانضمامها إلى روسيا
المصدر: إرم – (خاص) من إميل أمين

هل بدأ المنحنى التاريخي للإمبراطورية الأمريكية في الانحدار بشكل واضح مهما تبدى للناظر من مظاهر خادعة تعكس خلاف ذلك؟

لعل ما جرى في الساعات القليلة الماضية في المواجهة مع أوكرانيا يؤكد على أن واشنطن تلقت صفعة تاريخية، بعد أن صوت المجلس الأعلى لشبه جزيرة القرم على الانضمام إلى روسيا رسميا، بأغلبية 78 صوتا، وإرسال نداء للرئيس الروسي فلاديمير بوتين للموافقة على التصويت.

لم تكن أوكرانيا تهم واشنطن في حال من الأحوال، إلا من خلال القرم، الجوار التاريخي والنفوذ الروسي الحقيقي في أوكرانيا منذ أزمنة طويلة، تلك التي كانت واشنطن تتطلع للسيطرة عليها لحرمان روسيا من أفضل منافذها على العالم، ولقطع الطريق على صحوتها الجديدة في زمن بطرس الثاني أو بوتين الأول.

واشنطن مدفوعة أبدا ودوما بدافع قسري يجعلها تكرر أخطاءها، ولا تتعاطى مع دروس التاريخ أو أحاجى الإنسانية.. لكن هل من مشاهد حقيقية تؤكد الانحدار الواضح في سيرة ومسيرة الإمبراطورية الأمريكية المنفلتة؟

هناك الكثير من المشاهد، لكن نختار عددا قليلا من تلك الأمثلة وفي مقدمتها الأزمة المالية التي تضرب البلاد منذ العام 2008 وحتى الساعة، وعلامة الاستفهام هنا، هل هي أزمة مالية بالفعل أم إشكالية أخلاقية ستجر من خلفها واشنطن إلى طريق الانهيار التقليدي الذي تمضى عليه الإمبراطوريات؟

أحد المشاهد الأخيرة التي تؤكد على أن الخوف بدأ يدب في جسد وعقل الإمبراطورية الأمريكية المنفلتة، هو ظاهرة التجسس التي تكشفت أوراقها أخيرا، ورغم أن الجاسوسية ظاهرة قديمة قدم الجماعات الإنسانية والدول والمؤسسات البشرية منذ زمن بعيد، إلا أن الكم والكيف اللذان جرت بهما المقادير، وتكشفت عنهما وثائق سنودن الأخيرة، واعترف بهما عدد من كبار المسؤولين، يؤكد أن واشنطن انحرفت بالفعل عن السياقات العقلانية حتى للتجسس، فبدلا من أن توجه أجهزة تنصتها على الأعداء، باتت توجهها كذلك على الأصدقاء والحلفاء، ولم تعد تكتفي بالقادة، بل أضحت تجمع مليارات الاتصالات لبشر عاديين، ويعني هذا أن أوهام الاستثنائية الأمريكية التي تحدث عنها أوباما من على منصة الأمم المتحدة، باتت بالفعل تتحكم في ثنايا أو خبايا العقل الأمريكي.

أما على صعيد الداخل الأمريكي، هناك عدة ظواهر تشير بالفعل إلى أزمات حقيقة ربما تقود إلى مستقبل غير واضح المعالم للبلاد، وفي مقدمة تلك الظواهر، تنامي الحركات العنصرية مرة جديدة، لاسيما ضد الأمريكيين من أصول إفريقية، فعلى الرغم من وصول أول رئيس من أصول إفريقية إلى البيت الأبيض في تاريخ أمريكا، إلا أن مشاهد العنصرية ازدادت ولا تزال، وهناك مواجهات عنيفة جرت بالفعل، ما يؤكد أن تيار العنصرية لا يزال له يد طولى، ويمكن أن يسبب انفجارا للسبيكة الأمريكية التي يشك نفر كبير اليوم في أنها بالفعل “بوتقة انصهار”، ويرجحون أنها “سلاطة مختلطة” كل عنصر فيها يتمايز عن العنصر الآخر.

يطفو أيضا على السطح ظهور الأقليات غير البيضاء وبقوة، مثل العرق اللاتيني، هؤلاء سيضحون عما قريب رمانة الميزان في ترجيح كفة مرشح ما سواء على صعيد الحياة النيابية، أو الرئاسية، وبذلك لن يبقي الـ‍ “WASP”، أي البيض البروتستانت الأنجلو ساكسونين، هم الريادة والقيادة الأمريكية في العقود المقبلة.

أضف إلى ما تقدم، هناك أصوات كثيرة تعلو بالحديث عن انفصال الولايات الغنية عن الفقيرة، وهي إشكالية وإن لم تأخذ حتى الساعة أبعادا حقيقة، وحراكا واضحا على الأرض، إلا أنه من غير المستبعد حدوث ذلك في غضون عقد على الأكثر، وهي قضية ترتبط ارتباطا وثيقا ولصيقا بالأزمات المالية التي تمر بها البلاد.

يلفت المؤرخ البريطاني الأصل بول كيندي إلى مسألة حيوية وجوهرية تهدد الإمبراطورية الأمريكية اليوم وغدا، تلك المتعلقة بالتحالف مع أوروبا، ومستقبل حلف الأطلسي بالتالي، وذلك أنه مهما بدت منطقية الالتزام الأمريكي بأوروبا من الناحية الاستراتيجية، فإن هذه الحقيقة بحد ذاتها حائلة دون حصول تعقيدات عسكرية أو سياسية معينة أفضت إلى خلاف بين قطبي الأطلسي.

مشهد أمريكا المأزومة اليوم يجعلها دون شك نموذجا غير محبب أو مقرب إلى قلب العالم، وربما تكون هذه البداية الحقيقة لسقوط القوة الإمبراطورية الأمريكية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث