تعقيدات الموقف الأردني من الاتفاق الإيراني

تعقيدات الموقف الأردني من الاتفاق الإيراني

إرم – (خاص) من شاكر الجوهري

الاتفاق النووي الإيراني ـ الغربي لم يكن مفاجئا تماما لعاصمتين عربيتين على الأقل هما الرياض وعمّان.

الرياض بحكم الحرص الأمريكي على تقليص حجم الاستفزاز الذي يمكن أن يمثله هذا الاتفاق لها إلى أدنى سقف ممكن.

وعمّان بحكم التنسيق الإستراتيجي الذي يربطها مع الرياض، وإطلالتها على التشدد الفرنسي الذي سبق التوافق الغربي النهائي على هذا الإتفاق.

ومع ذلك، فإن هذا الاتفاق جعل عمّان تقف في حالة حيرة وتشتت بالنظر إلى مصالحها الخاصة لسببين:

أولا: عدم الرغبة في الإقدام على اختيار صعب بين الرياض وواشنطن، لأسباب سنتناولها لاحقا.

ثانيا: استحالة الاختيار بين المكاسب التي يحققها الاتفاق للأردن، وما يمثله من أخطار محدقة به وبأمنه الإقليمي.

فيما يتعلق بصعوبة الاختيار بين الرياض وواشنطن، فإن الأمر يتمثل في النقاط التالية:

الأولى: ترى عمّان أن أهم انجازاتها على صعيد السياسة الخارجية في عهد الملك عبد الله الثاني، والتي لا يمكنها التفريط فيها هي:

– طي صفحة الخلاف مع السعودية، وبناء تفاهم استراتيجي معها.

– إقامة علاقة مباشرة مع دوائر صنع القرار الأمريكية لا تمر عبر اللوبي اليهودي.

يضاف إلى ذلك أن الرياض وواشنطن هما المانحان الرئيسيان للموازنة العامة الأردنية التي تعاني من عجز متفاقم عاما بعد عام، و لا تحتمل تأخر دفع المعونات السعودية والأمريكية، فما بالك بإمكانية تقليصها أو حجبها.

الثانية : يضاف إلى ما سبق أن الأردن كان أول من أشار بوضوح إلى خطر “الهلال الشيعي” في المنطقة، والامتدادات الإثنية لهذا الحلف غير المعلن داخل عدد من الدول العربية.

بل هنالك من ينظر إلى مناطق النفوذ الإيراني الآن باعتبارها تمتد من غرب افغانستان، إلى شرق البحر المتوسط.

الثالثة: هذا النفوذ الإيراني واسع النطاق يشكل تهديدا لأمن الدول الخليجية الشريك الإستراتيجي للأردن وهو أمر يلقي بتبعات كبيرة للغاية على المملكة خاصة في المجال الأمني.

الرابعة: لهذا، كان الأردن يدعو على الدوام إلى حل مشكلة الملف النووي الإيراني سلميا غير أنه لم يتوقع أن يأتي الحل السلمي على النحو الذي ظهر به الاتفاق الأخير.

وفي مناسبات عديدة، حذر العاهل الأردني من أن اللجوء إلى القوة مع إيران يشكل كارثة على المنطقة.

وتزامن الاتفاق مع إعلان وزير الخارجية الأردني عزمه المشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي الأربعاء، إلى جانب نظيره المغربي.

الخامسة: وجود تباين عميق في المواقف بين الرياض وواشنطن حيال قضايا المنطقة الساخنة، وضع تحالف المعتدلين بنسخته الجديدة أمام اختبار صعب لم يكن بالحسبان.

أما بخصوص أسباب استحالة الإختيار بين مكاسب الأردن من جهة، والأخطار المحدقة به وبأمنه الإقليمي من جهة أخرى جراء الاتفاق، فإنها تتمثل في:

أولا: الاتفاق يقدم للأردن ورقة قوية في تعامله مع رفض الأمريكيين السماح له بأي نسبة من تخصيب اليورانيوم.

واتخذ الأردن طوال السنوات الماضية موقفا صلبا رافضا للإعتراضات الأمريكية.

وأدى هذا الموقف إلى تأجيل توقيع الاتفاقية النووية مع الولايات المتحدة منذ عام 2007.

ومن حق الأردن الآن أن يطالب واشنطن السماح له بتخصيب اليورانيوم بنسبة 4% أي أقل مما سمحت به لإيران.

و سبق لأمريكا أن استثنت فيتنام، وسمحت لها بالتخصيب.

وحين جادل الأردن لدى واشنطن بذلك، جاءه الرد أن السماح لفيتنام بالتخصيب كان “خطوة خطأ غير محسوبة النتائج، مع استعصاء تكرارها”.

إلا أنها تكررت الآن مع إيران، تاركة باب التخصيب للأردن مفتوحا بشكل موارب.

امريكا واثقة تماما من أن الأردن لا يفكر بتصنيع قنبلة نووية، الا أن موقفها المتشدد حيال عمّان سببه أمران:

الاعتراض الإسرائيلي وتوافق دول محتكرة للطاقة النووية على عدم السماح بدخول دول أخرى إلى هذا النادي، خاصة وأن الأردن يحوز كميات هائلة من اليورانيوم في صحاريه.

يضاف إلى ذلك، أن الموافقة للأردن على تخصيب اليورانيوم تحقق له قيمة مضافة تعفيه من شراء يورانيوم مخصب جاهز بكلف عالية، وتوفر له مصدرا جديدا للدخل من خلال بيع الكميات الفائضة عن الحاجة من هذا المعدن الثمين.

أي أن يحقق الأردن استقلاله الإقتصادي ما سيحرر قراره السياسي، وهذا ما ترفضه واشنطن وتل أبيب.

ثانيا: مشاكل حلفاء الأردن الخليجيين، وعموم دول المشرق العربي، مع إيران، تتعدى خطر الملف النووي الى حزمة مشاكل أخرى تقلق دول الخليج العربية، ويتعين على طهران طمأنت الدول العربية والخليجية بشأنها.

هذه المشاكل تفوق الملف النووي الإيراني خطورة وهي تضطر الأردن لاتخاذ مواقف متوازنة حيال الاتفاق الإيراني ـ الغربي وتحول دون تسرعه في الموافقة عليه كما هو.

لذا، جاء رد الأردن الأولي على الاتفاق حذرا معتبرا أن موقفه النهائي متصل بحل جميع المشاكل والأزمات في المنطقة وفي المقدمة منها الحل النهائي للقضية الفلسطينية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث