من الخاسر الأكبر من قطع العلاقات .. مصر أم تركيا؟

من الخاسر الأكبر من قطع العلاقات .. مصر أم تركيا؟
المصدر: القاهرة – (خاص) من شوقي عصام

مصالح مباشرة وغير مباشرة، ما زالت إلى الآن تجمع العلاقات بين القاهرة وأنقرة، والكثير من الأوراق تحيط بهذه العلاقة التاريخية، التي كان حلوها أكثر من مرها، ولكن بطبيعة الحال، ومع قطع العلاقات بين البلدين، والتي جاءت عن طريق القاهرة بطرد السفير التركي للمرة الثالثة، في أقل من 60 عاما، ما يوضح مدى الصراع التاريخي والمستقبلي بين القوتين الكبيرتين في منطقة الشرق الأوسط، والذي تمتد جذوره إلى الحكم العثماني، الذي خضعت له مصر 400 عام بالتمام والكمال.

الأوراق المتناثرة حول هذه العلاقة في الوقت الحالي، تقوم في الأساس على 4 محاور: سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا وسياحيا، والتدقيق في هذه المحاور، يكشف الخاسر الأكبر من قطع العلاقات.

المحور السياسي عادة ما يحكم العلاقات بين البلدين عبر قرون وأنظمة، كان طرفها سلاطين وولاة، ثم رؤساء وأحزاب، ودائما ما تكون الإيديولوجية الدينية، حاكمة ومسيطرة في هذه العلاقة إلا قليلا، حيث لم تهنأ تركيا كنظام سياسي، بوصول الحليف الحزبي على أساس ديني في مصر، حزب “الحرية والعدالة” الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم بعد أن سقط نظام المعزول محمد مرسي بعد 365 يوما من الوصول إلى السلطة، وهو ما وتر العلاقات بين القاهرة وأنقرة، بعد مجيء نظام 30 يونيو إلى السلطة المصرية، ليبدد أحلام الخلافة المتطورة لأردوغان، الذي يحكم في تركيا بعد الوصول إلى السلطة عبر حزب “العدالة والتنمية”، أحد أفرع التنظيم الدولي لجماعة الإخوان.

ولذلك كان سقوط حكم الإخوان في مصر بمثابة الضربة القاصمة، التي قطعت الطريق على الكثير من المصالح لأردوغان كانت تنفذ عبر تحركاته في الأزمة السورية، بالتوازي مع مهام منوط بها نظام مرسي في القاهرة، بإقامة الولاية الإخوانية الرابعة بالمنطقة في سوريا، بعد أن اكتملت ولايات مصر وتونس وتركيا، بالإضافة إلى المضي قدما في إقامة ولايات جديدة بالمنهج الإخواني والقيادة التركية.

وسقوط ولاية مصر بهذا الشكل، جعل أردوغان يتعامل من منظور حزبي ضد مصلحة الدولة، بتصرفات غير مسؤولة، أبعدت عنه تماما القوة المستقبلية التي تطمح لها القاهرة، وتتحقق في المضي قدما بدعم عربي خليجي، وهو ما يتسق بداخله ورقة أخرى غير مباشرة، تلوح في وجه النظام السياسي التركي، إذا هددت علاقاته المتسعة والمهمة سياسيا واقتصاديا مع دول الخليج.

المحور الدبلوماسي، يأتي في إطار الدولة المستعدة والأكثر جاهزية لقطع العلاقات، وهو الأمر المتعلق بتوجيه الصفعات حتى لو جاءت بشكل معنوي، ولكنها مؤثرة في شكل كلتا الدولتين أمام دول العالم، وهو ما حدث في طريقة قطع العلاقات التي بادرت بها الحكومة المصرية بطرد السفير التركي حسين عوني بوتسالي، وهو ما يوصف في عالم العلاقات الدولية بالصفعة، وعندما أرادت أنقرة تقديم نوع من حفظ ماء الوجه أمام العالم جاءت الصفعة الثانية بيد تركيا نفسها، عندما خرجت الخارجية التركية معلنة طرد السفير المصري في أنقرة، لتجتاح وسائل الإعلام العربية والعالمية والدوائر الدبلوماسية موجة من السخرية بحق الحكومة التركية، لأن السفير المصري في أنقرة عبد الرحمن صلاح الدين موجود في القاهرة منذ 15 آب/أغسطس 2013، وتمت إعادته للعمل في ديوان وزارة الخارجية المصرية، ولم يغادر القاهرة منذ ذلك الحين.

طرد السفير التركي من القاهرة بهذه الطريقة، ليس الأول من نوعه في تاريخ العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، والتي انطلقت عام 1925، حيث كان الطرد الأول على يد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، عندما قام بطرد السفير التركي آن ذاك خلوصي فؤاد توغاي، بعد أن قطعت القاهرة تحركات بريطانية – تركية مريبة في منطقة القناة، وكان الطرد الثاني في 28 أيلول/سبتمبر عام 1961، على خلفية ترحيب تركيا بانفصال الوحدة بين مصر وسوريا.

المحور الثالث اقتصادي، وهو الأهم على أرض الواقع وبالنسبة للإستفادة المباشرة، و يقوم في أساسه على أمرين، الأول هو حجم التبادل التجاري بين البلدين، والذي يصب في مصلحة تركيا، والأمر الثاني هو استثمارات رجال الأعمال الأتراك في مصر، والذي يصب في كفة القاهرة.

ولكن بالتدقيق في شقي المحور الاقتصادي، سنجد أن أنقرة تعتبر السوق المصرية واحدة من أهم الأسواق لبضائعها على مستوى العالم، حيث تبلغ الصادرات التركية إلى مصر، حوالي 4.2 مليار دولار، بينما تبلغ الصادرات المصرية إلى السوق التركية حوالي 300 مليون دولار، في مقابل أن الاستثمارات التركية التي تحتاجها القاهرة على أرضها من مصانع وشركات، تبلغ في الوقت الحالي نحو 1.5 مليار دولار من خلال 300 شركة، تتركز فى مجالات الغزل والنسيج والمقاولات، بما يعني أن القاهرة مستعدة لمواجهة أي مساس من جانب أردوغان باستثمارات تركيا في مصر، بتهديدات تتعلق بفرض ضرائب وجمارك على الصادرات التركية إلى مصر.

المحور السياحي، يعتبر من الأوراق الحاكمة بشكل مباشر في العلاقات بين البلدين، ونجد التأثير بالدرجة الأولى على السياحة التركية، حيث يتوجه سنويا ما بين 80 إلى 120 ألف سائح مصري إلى المنتجعات والمدن التركية، عبر شركات سياحية وطيران تركية، لقضاء العطلات والأجازات، في الوقت الذي لا تمثل السياحة المصرية أهمية بالنسبة للمواطن التركي، الذي يفضل التوجه إلى المنتجعات والعواصم الأوروبية، وهو الأمر الذي من الممكن أن تستغله الحكومة المصرية بوضع مضايقات أمنية للمسافرين المصريين إلى اسطنبول، إذا وجدت أي مساس بالاستثمارات التركية في مصر من جانب أردوغان.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث