الإيرانيون ضد النووي

وجع العقوبات يدفع الرأي العام لتقبل فكرة الحل الوسط مع القوى الغربية

الإيرانيون ضد النووي

طهران – بعد سنوات من العقوبات القاسية على إيران بسبب برنامجها النووي يقول كثير من أبنائها الآن إنهم يريدون أن تقبل الحكومة حلا وسطا من شأنه أن يرضي القوى العالمية ويتيح في المقابل قدرا من الرخاء.

ورغم أن كثيرا من الإيرانيين ما زالوا يؤمنون بقوة بحق بلدهم في تطبيق برنامج نووي مدني بكل جوانبه بما في ذلك تلك الجوانب التي تثير ريبة الغرب فإن ضجرهم من الثمن الاقتصادي العالي يزداد يوما بعد يوم.

ذلك الشعور سيشكل خلفية المشهد يوم 16 يونيو حزيران عندما يوفد زعماء إيران السياسيون مفاوضين إلى جنيف للتحدث إلى ممثلين لست قوى عالمية بهدف التوصل لاتفاق تقدم من خلاله طهران تنازلات فيما يتعلق بتخصيب اليورانيوم مقابل تخفيف العقوبات عنها.

قال علي ميرزائي وهو أب لثلاثة أبناء في مدينة رشت بشمال إيران “أحب بلدي لكني أحب أسرتي أكثر. ظللت لسنوات أجاهد لأتعايش مع ارتفاع الأسعار.”

ومضى قائلا “تعبت. أملي الوحيد الآن في (الرئيس حسن) روحاني. يحاول تحسين الاقتصاد بحل المسألة النووية. أؤمن به وبسياساته.”

وميرزائي أعطى صوته -مثله مثل ملايين الإيرانيين الذين تحملوا عبء العقوبات- للبراجماتي روحاني العام الماضي بعد أن وعد بتحسين الاقتصاد المترنح من خلال خطوات منها التوصل لاتفاق مع العالم الخارجي.

ورغم غياب استطلاعات الرأي التي يعتد بها في إيران فإن فوز روحاني بفارق كبير على وعد بالوصول لحل وسط وكذلك روايات قيلت خلال مكالمات هاتفية أجريت في إيران في الفترة الأخيرة توحي بأن الرأي العام يميل بقوة لفكرة التوصل لاتفاق.

قال أروين سادري (31 عاما) الذي يدير مصنع والده للأثاث في مدينة مشهد بشمال البلاد “روحاني وفريقه سيحلون هذه المسألة. أنا متأكد أن سياسته المعتدلة التوافقية ستنجح. لسنا بحاجة للعداء.”

وبعد عدة جولات من المحادثات العام الماضي تم التوصل لاتفاق مبدئي في جنيف في نوفمبر تشرين الثاني يشمل تخفيف محدود للعقوبات مقابل وقف إيران لبعض أنشطتها النووية.

سرى الاتفاق في 20 يناير كانون الثاني وكان الهدف منه كسب الوقت حتى يتسنى التوصل لاتفاق نهائي في غضون ستة أشهر. وفي الوقت الذي تشرف فيه المهلة المحددة للوصول لذلك الاتفاق على الانتهاء كان الإيرانيون قد ذاقوا طعم تحسن الأشياء نتيجة رفع بعض العقوبات.

قالت مريم سيمائي (41 عاما) وهي معلمة في مدرسة بمدينة يزد بوسط إيران إنها تؤيد البرنامج الذري وترى أن العقوبات جائرة لكنها تفضل الحل الوسط.

وأضافت “أريد أن أعيش في سلام. لا أريد أن أخاف على مستقبل أولادي. التوترات مع المجتمع الدولي والعقوبات دمرت اقتصادنا وعزلتنا.”

رئيس ضعيف

إذا كان رفع العقوبات مهما بالنسبة لكثير من الإيرانيين فإنه بالغ الأهمية بالنسبة لآمال روحاني السياسية.

قال المحلل السياسي حسن فقهي “التوصل لاتفاق مع القوى العالمية سيجلب الاستقرار السياسي والاقتصادي لإيران. ومستقبل روحاني السياسي يتوقف على هذا الاتفاق. سيصبح رئيسا ضعيفا إن هو فشل في الوصول لاتفاق.”

ويقول محللون واقتصاديون إنه نجح في بعض الجوانب فقط فيما يتعلق بإصلاح الضرر الاقتصادي الذي لحق بإيران في سنوات المواجهة مع الغرب وبخاصة في عهد سلفه المحافظ محمود أحمدي نجاد.

انخفض معدل التضخم الرسمي إلى النصف ليصل لحوالي 20 في المئة منذ انتخاب روحاني لكن نسبة البطالة ظلت حول 30 في المئة كما أن الفجوة بين الأغنياء والفقراء في اتساع. من ناحية أخرى انخفضت قيمة الريال الإيراني مقابل الدولار الأمريكي.

وقالت جينوس دادجوستار (18 عاما) التي تعيش في حي الزعفرانية الراقي بشمال طهران “أؤيد إنجازات بلادي النووية لكني في الوقت نفسه لا أرى منطقا في دفع ثمن باهظ لها.”

ظلت اللغة الرسمية لسنوات تنفي أن العقوبات تلحق ضررا وتمجد في اعتماد البلاد المفترض على الذات وهو ما وجد صدى لدى بعض الإيرانيين الذين قالوا إن لا مانع لديهم من أن يعانوا دفاعا عن برنامج بات رمزا للكبرياء الوطني.

لكن دبلوماسيين قالوا إن رجال الدين الذين يحكمون إيران والذين تتسم تصريحاتهم بالحذر عادة والحريصين على عدم إثارة أي اضطرابات داخلية على غرار الربيع العربي أو استفزاز المجتمع الدولي ودفعه لاتخاذ موقف أشد باتوا يستخدمون لغة أهدأ في الشهور الأخيرة.

وقال دبلوماسي غربي مقيم في طهران طلب عدم نشر اسمه “يحتاج رجال الدين الذين يحكمون إيران لهذا الاتفاق لضمان سلطتهم. ولهذا غيروا من لهجتهم.”

لكنه أضاف قائلا إنهم قد يتخذون موقفا أشد من موقف الرئيس لأن فشل المحادثات سيرتد بقوة أكبر إلى روحاني وحلفائه.

الزعيم الأعلى

ومما يجعل موقف روحاني أكثر تعقيدا أن وضعه كرئيس يمنحه سلطة عليا لكنه يظل في مرتبة تالية للزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي الذي له القول الفصل في مسألة الملف النووي.

والتراجع عن التحدي النووي قد ينطوي على مخاطرة سياسية بالنسبة لخامنئي الذي أيد من قبل مواقف متشددة في هذا الصدد.

لكنه يخشى الآن فيما يبدو أن تؤدي المشاكل الاقتصادية المترتبة على العقوبات إلى إضعاف موقفه. وأيد خامنئي المحادثات بحذر ودعا إلى إبداء “مرونة بطولية” لكنه مازال يعبر عن تشاؤم إزاء النتيجة.

قال مسؤول إيراني كبير طلب ألا ينشر اسمه “يعمل أعضاء الفريق بناء على توجيهات الزعيم (خامنئي) المباشرة. كل شيء يرفع إليه وهو يحدد نغمة حديث المفاوضين الإيرانيين.”

ومما يدل على تأييد خامنئي الحالي للتوصل لحل وسط تحول وسائل الإعلام المتشددة إلى نشر مقالات تبرر اتباع نهج أكثر ميلا للمصالحة مستشهدة غالبا بالصعوبات الاقتصادية.

فالصادرات النفطية تمثل حوالي 60 في المئة من الاقتصاد الإيراني ومعظم السلع الغذائية وعلف الماشية تأتي من الخارج كما أن كثيرا من مصانع إيران تقوم بتجميع الأجهزة اعتمادا على أجزاء مستوردة.

قالت مصممة الديكور مستانه علوي بمدينة تبريز بشمال غرب إيران “تعبت من هذا النزاع النووي. منذ سنين ونحن نخشى المزيد من الضغوط الاقتصادية والعمل العسكري المحتمل. التوصل لاتفاق نووي هو فرصتنا الوحيدة للعيش في سلام.”

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث