عصر العولمة.. تبعية سياسية تلغي الحدود

عصر العولمة.. تبعية سياسية تلغي الحدود
المصدر: القاهرة- (خاص) من حازم محمود

أفقرت العولمة دول العالم الثالث، وحوّلتها إلى دول مستهلكة بسبب تدفق المنتجات، التي حدت من قدرة سكانها، مع ظهور عالم التقنية والتجارة الإلكترونية التي ألغت الحدود، واقتحمت السيادة الوطنية، وباتت كاستعمار جديد يؤطر للتبعية الدولية للإمبريالية.

لكنها من قربت المسافات ثقافيا، وجعلت الإنسان يتجوّل في كل البلدان من مؤشر للبحث، وأدارات حواراً حضارياً يعتبره البعض صداماً حضارياً وبرزت الأفكار الليبرالية والعلمانية في مواجهة اليسار التقليدي والإسلام السياسي المتطرف، غير أن الحوار متواصل وعبر آليات العولمة .

الدكتور السيد ياسين بوصفه أستاذاً لعلم الاجتماع السياسي يؤكد في كتاب “آفاق المعرفة في عصر العولمة” أن العولمة هي “التدفق الحر للمعلومات، والأفكار، والسلع، والخدمات، ورؤوس الأموال بغير حدود ولا قيود”.

كما يقدم تعريفاً لمصطلح العولمة، يستهدف رصد الأطراف الفكرية المتعددة في مجالات السياسة، والاقتصاد، والاجتماع والثقافة من خلال رؤية تحليلية نقدية للمجتمع العربي المعاصر، وتضمنت أقسام الكتاب الأربعة دراسة المجتمع العربي من منطلقات حداثية، تسعى لتجديد المشروع النهضوي العربي في عصر التناقضات الكبرى وإعادة إحياء فكرة “النهضة العربية”.

ويرى أن العولمة أصبحت تهيمن على المناخ السياسي، والاقتصادي، والثقافي منذ بدايات القرن الحادي والعشرين، وأن تحليل التراث الفكري المعاصر يكشف عن خلافات تدور بين العلماء والباحثين والمفكرين في مختلف البلاد حول تعريف مصطلح العولمة وتحديد طبيعته وتقييم آثاره الإيجابية والسلبية، بل والتنبؤ بمستقبلها.

وفي حال البحث عن تعريف شامل للعولمة، يقول ياسين، إن هناك ثلاث عمليات تكشف عن جوهر المصطلح، الأولى تتعلق بنشر وإتاحة المعلومات لكل الناس، أما ثانيتها فمتعلقة بتذويب الحدود بين الدول، بينما العملية الثالثة هي قياس معدلات التشابه بين الجماعات والمعلومات، التي تتحوّل إلى نتائج إيجابية بالنسبة لبعضها وسلبية للآخر.

ويحسب الكتاب، فإن بعض الباحثين اتجهوا إلى تحديد المواد، والنشاطات، التي تنشد “الحلول مستفيدة من العولمة”، وقسّموها إلى سبع فئات هي: بضائع، وخدمات، وأفراد، وأفكار، ومعلومات، ونقود، ومؤسسات، وأشكال من السلوك والتطبيقات.

ويمكن القول إن شكل كل فئة من هذه الفئات تثير مشكلات متعددة، “فلو أننا نظرنا مثلاً إلى الأفكار والمعلومات، يمكننا القول إن العالم الثالث يعاني من فقر فكري متكامل، ما يجعل من قدرته على المنافسة الفكرية مع العالم المتقدم محدودة، وفيما يتعلق بالمعلومات، فإن نصيب دول العالم الثالث من المعلومات محدودة جداً ما يجعلها عالة على الدول المتقدمة، بكل ما في ذلك من سلبيات”.

ويؤكد ياسين أن ثورة الاتصالات الكبرى ساعدت على رسم ملامح “عصر العولمة” وتشكيل سماته، وفي مقدمة الثورة الاتصالية تقف شبكة المعلومات الدولية “الإنترنت”، التي غيّرت جوهرياً في طرق اكتساب المعرفة، وانتاجها على السواء، ما جعل مجتمع المعلومات العالمي، الذي جاء بعد المجتمع الصناعي، يوفر المعلومات في كل مجالات الحياة لكل مواطني العالم بلا استثناء، بفضل شبكة الإنترنت، بل ولا يكتفي بتقديم المعلومات فقط، وإنما يقدم المعرفة العلمية والفكرية أيضاً.

وترك هذا التطور الحضاري الهائل آثاره على المعرفة العربية اكتساباً وانتاجاً، وهو المبحث الذي يقدم من خلاله الكتاب، الأصول الفكرية المتعددة في مجالات السياسة، الاقتصاد، الاجتماع، والثقافة، التي أتاحها التطور الكبير في النظرية المعرفية الحديثة.

ويطرح الكاتب حزمة تساؤلات من بينها: هل ما يجري من اصلاحات سياسية في بعض البلدان العربية، يعد سعياً للانتقال من الشمولية والسلطوية، إلى الليبرالية أم أن الأمر لا يتعدى إصلاحات شكلية؟. وكيف يمكن الحكم على عمق هذه الإصلاحات في غيبة قواعد متفق عليها يمكن من خلالها التقييم؟.

وعلى الرغم من أهمية الاتفاق على نموذج ديمقراطي محدد الملامح والسمات، لقياس الإصلاحات الجارية بناء على قواعد ومعايير واضحة، إلا أن المشكلة الكبرى تكمن في التفاوت الشديد في طبيعة النظم السياسية العربية، بحيث يصعب التعميم والقياس عليه، قبل التعمق في الطابع الخاص لكل نظام، وهو نتاج التاريخ الاجتماعي والسياسي لكل قطر عربي على حدة.

ويدعو المؤلف إلى التأمل لكل حالة على حدة للوصول إلى توصيفات عامة تتعلق بالوضع الديمقراطي العربي، وربط ظاهرة تضاؤل دور الأحزاب السياسية بشكل عام في مراحل ما بعد الديموقراطية، بالانتقال من مرحلة الحداثة إلى ما بعد الحداثة، لأنه يتجاوز التفسيرات السطحية التي سبق وأصبحت فهماً للتحولات السياسية الكبرى في العالم.. كما أن هناك ” أوهاماً ” عن حرية التعبير وحقيقة التعصب الديني يجمع عليها مؤرخو الفكر العربي باعتبارها ظاهرة محورية، وأن التعامل معها بشفافية كان أساساً لتقدم المجتمعات الصناعية الغربية.

ويثير الكتاب أسئلة وجودية تواجه العقل العربي الساعي نحو الحداثة: في أي عصر نعيش؟ وهل نعيش حقاً عصر حوار الثقافات والتسامح الذي ينبغي أن يسود بين البشر، واحترام التنوع الخلاق، والمساواة بين الثقافات بحيث لا تكون هناك ثقافة أسمى من الأخرى، ولا دين أفضل من دين ؟ أم أننا على مشارف حرب دينية معلنة لا تزيدها وسائل الإعلام الحديثة إلا اشتعالاً ؟ وأين ذهبت دعوات الحوار الحضاري والتحالف بين الحضارات..؟ وهل ضاعت في خضم التعصب الديني لجماعات دينية يهودية أو مسيحية وإسلامية تنتشر في كل مكان، أم أن “النفاق” الغربي حول حرية التفكير تكشف عن وجه قبيح للحضارة الغربية ؟

ويؤكد المؤلف أن هناك خلطاً شائعاً في الخطاب العربي المعاصر بين الحداثة والتحديث، فالتحديث عملية اجتماعية من شأنها نقل المجتمع التقليدي كالمجتمع الزراعي إلى مجتمع حديث كالمجتمع الصناعي، أما الحداثة فهي مشروع حضاري متكامل متعدد الأبعاد، وأن الحداثة نفسها “حداثات” وليست حداثة واحدة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث