هل العالم في حاجة إلى هيئة أممية جديدة؟

هل العالم في حاجة إلى هيئة أممية جديدة؟
المصدر: إرم – (خاص) إميل أمين

هل العالم في حاجة حقيقية لمنظمة أممية جديدة تلائم وتواكب الأجواء الدولية في القرن الحادي والعشرين، لا سيما بعد أن وصلت الأمم المتحدة إلى طريق مسدود في معالجة القضايا الكونية، وكأنها استنفذت مهمتها التي أنشئت من أجلها في أعقاب الحرب العالمية الثانية؟

قبل بضعة أعوام تحدث الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، الدكتور بطرس غالي، حول الحتمية الظرفية لقيام أمم متحدة جديدة، معتبرا أن دعوات إصلاح هيئة الأمم المتحدة، باءت جميعها بالفشل، أمام تعنت الولايات المتحدة التي ترى أن الوضع الحالي للمؤسسة الدولية في صالحها، ما جعل الهيئة أداة طيعة في يد صناع القرار في واشنطن، وهمش من دورها الذي تأسست من أجله.

والشاهد أن القاصي والداني وكل من قدر له الاقتراب أو العمل في المؤسسة الأممية، من بينهم كاتب هذه السطور، يعلم علم اليقين أن ما من شاردة أو واردة داخل أروقة الأمم المتحدة، إلا وعند أجهزة الاستخبارات الأمريكية من أخبارها طرف، وكانت هناك وحدة خاصة للتنصت والتجسس الميداني على الأمم المتحدة ودبلوماسييها في أحد مباني مركز التجارة العالمي، الأمر الذي كان يدفع بالأمناء العموميين، من بينهم بطرس غالي وكوفي عنان للتحايل عبر وسائل بدائية للغاية للفكاك من الحبائل المنصوبة لهم.

غير أنه في عصر ما بعد الـ”ويكليكس” إن جاز التعبير، اتخذ الأمر شكلا رسميا مثبتا بوثائق وبرقيات، منها ما يظهر طلبات رسمية لوزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، لتجنيد دبلوماسيين أمريكيين للتجسس على مسؤولين كبار في هيئة الأمم، منها ما يؤكد مراقبة واشنطن لتحركات الأمين العام للمنظمة بان كي مون.

يمكن التأصيل لطرح الهيئة الأممية الآنية بالعودة إلى جذور الفكرة التي تناولها المفكر الفرنسي جان جاك روسو، العام 1762، في تحفته “في العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون السياسي”، وكان ساعيا “لإيجاد شكل من المجتمع يدافع عن شخص كل عضو فيه، وعن متاعه، ويحميه بكل ما أوتي ذلك المجتمع من قوة.

هل باتت الدعوة إلى مؤسسة أو مؤسسات أممية جديدة عوضا عن الهيئة القائمة الآن طرحا غير أمريكي فقط، أم هناك من الأصوات الفكرية الأمريكية النافذة من يذهب إلى ذلك؟

في كتابه “أمريكا على مفترق طرق.. ما بعد المحافظين الجدد”، الذي يمثل “توبة” ولو مرحلية عن فكرته الشمولية القائلة بنهاية التاريخ، نجد فرانسيس فوكاياما يقر بأن “المشكلة الكبيرة التي تواجهها الأمم المتحدة هي مسألة الشرعية، وأن هذه المشكلة تنشأ من حقيقة أن عضويتها مستندة إلى السيادة الرسمية بدلا من الاستناد إلى تعريف حقيقي للعدالة.

الحقيقة هي أن الأمم المتحدة في الوقت الذي تكون فيه مفيدة لوظائف معينة مثل حفظ السلام وبناء الأمم، فهي من الناحية الهيكلية محدودة فيما يتعلق بالشرعية وبالفعالية على السواء.

ومن المشكوك فيه -بحسب فوكاياما وغيره- أن تستطيع أي مجموعة من الإصلاحات التي يجري التفكير فيها أو القابلة للتنفيذ سياسيا، حل مشكلة المنظمة.

حكما أن تصادما حتميا يقع الآن بين إرادة العالم في عقد اجتماعي حقيقي، وبين الرغبة الأمريكية في صبغ القرن الحادي والعشرين بصبغة أمريكية خالصة، كما يرى أصحاب مشروع القرن الأمريكي.

وإذا كان روسو طرح نموذجا أوليا للدفاع عن “الشخص” في مجتمع العقد، نموذج يمنع الآخرين من الاستبداد، فالبحث الواقعي عن حل لمشكلة العمل الدولي في ما بعد ويكليكس ومؤكد قبلها، الذي يكون فعالا وشرعيا على السواء، ربما يكمن في إنشاء مؤسسات جديدة، وليس مؤسسة واحدة، بدون أن يعني هذا إلغاء لما هو قائم، بل تكييف المؤسسات الموجودة لتلائم الظروف الدولية الجديدة، مؤسسة أو مؤسسات فيها من العدالة، ما ينافي ويجافي فكرة إجحاف دولة بعينها بمصائر البشر ومستقبليات الشعوب، في عالم لا يزال يطرح أسئلة ملحة عن العدالة والحرية، دون جواب واضح حتى الساعة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث