المقامر والمتردد

لعبة عض الأصابع تشتد بين الكرملين والبيت الأبيض في أوكرانيا

المقامر والمتردد
المصدر: موسكو -

دخل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مقامرة في أوكرانيا ويبدو أنه يراهن على أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما سيجفل قلبه في هذه المواجهة، ولأن بوتين مني بهزيمة سياسية شخصيا في معركة للاستحواذ على النفوذ في أوكرانيا فإنه يقاوم.

ففي رأيه أن الغرب “وقف إلى جوار” مسلحين وسمح لهم بتوجيه الأحداث في العاصمة الاوكرانية كييف والآن “يقف بلا حراك” بينما يوسع مسلحون نفوذهم في منطقة شبه جزيرة القرم.

ويحمل بوتين ضابط المخابرات السابق الغرب مسؤولية تهييج المشاعر في كييف وتشجيع المعارضة على خرق الاتفاقات الرامية لاستعادة السلام والسماح لمن تصفهم موسكو بأنهم “متطرفون” و”فاشيون” بإملاء التطورات السياسية في أوكرانيا.

والآن بعد أن فوض البرلمان بوتين في إرسال الجيش الروسي إلى أوكرانيا لحماية مصالح وطنية ومصالح مواطنين روس فإن الرئيس الروسي يتصدى للغرب الذي يشعر أنه استبعد موسكو من محادثات تتناول مستقبل أشقاء روسيا من المسيحيين الارثوذكس، والسؤال الكبير هو إلى أي مدى سيذهب.

150 ألف جندي

وبينما وضعت موسكو 150 ألف جندي في حالة تأهب قرب حدود أوكرانيا فلم تبد حتى الآن أي بادرة على أنها ستدفع بهم كما أنها تنفي اتهامات أوكرانية بأنها أرسلت المحتجين الذين رفعوا أعلام روسيا في بعض المدن الشرقية.

ولم ينبس بوتين ببنت شفة علانية فيما يتعلق بأوكرانيا منذ الإطاحة بالرئيس الأوكراني المدعوم من روسيا فيكتور يانوكوفيتش قبل أكثر من أسبوع، وتصدر بوتين المشهد مع إقبال زعماء غربيين الواحد تلو الآخر على الاتصال به لحثه على عدم استخدام القوة ويبدو أنه يراهن على أن رد الغرب سيكون ضعيفا.

وبنى بوتين حساباته على أساس أن أوباما ليس لديه أدوات ضغط تذكر وليس مستعدا لخوض حرب بسبب شبه جزيرة نائية في البحر الأسود لها أهمية رمزية وإستراتيجية لروسيا لأنها تضم قاعدة بحرية روسية وليس لها قيمة اقتصادية تذكر، وتحدث الرئيسان 90 دقيقة عبر الهاتف السبت وبدا أن المكالمة كسرت بعض الجمود.

المطالبة بالأرض “المفقودة”

ويعول بوتين على الخروج بشيء من معركة أوكرانيا كان قد بدا أنه فاز به عندما رفض يانوكوفيتش اتفاقات تجارية وسياسية مع الاتحاد الأوروبي في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي لكنه عاد وخسره فيما يبدو عندما أطيح بالرئيس الأوكراني بعد احتجاجات استمرت ثلاثة أشهر.

وقال سيرجي ماركوف المحلل السياسي المؤيد لبوتين ومدير معهد الدراسات السياسية في موسكو مؤكدا على عمق الجرح الذي شعر به بوتين “الغرب قال لبوتين ان يغرب عن وجهه فيما يتعلق بأوكرانيا”، واتهم ماركوف القوى الغربية والمنظمات الدولية بمحاولة تجاهل موسكو في المحادثات الخاصة بالمساعدات المالية لكييف وقال “ما نقوله أنه إذا أبرمت أي اتفاقات في الأمم المتحدة أو صندوق النقد الدولي أو مجموعة الثماني دون التشاور معنا فسنعتبرها غير مشروعة”.

وسيحقق بوتين مجدا بين الناخبين وخاصة القوميين منهم إذا ما طالب باستعادة القرم وهي أرض روسية تنازل عنها الزعيم السوفيتي الراحل نيكيتا خروشوف عام 1954، وإذا استقر الوضع الراهن على ما آلت إليه الأمور في الأيام القليلة الماضية من سيطرة القوات الروسية على القرم فبوسع بوتين أن يعلن استعادة القرم دون إطلاق رصاصة واحدة أو تكبد أعباء مالية.

وحتى إذا اضطر بوتين لسحب القوات فسيظل بوسعه تصوير نفسه على أنه المدافع عن المصالح الوطنية ومصالح الروس في الخارج راجيا أن يبدو في عيون الكثير من الناخبين أنه لم يتخل عن أوكرانيا بلا مقاومة.

وبينما كان هو مشغولا بالدفاع عن المصالح الوطنية كان رجاله يوجهون انتقادات لاذعة للغرب ويتهمونه باستغلال الأحداث والعمل مع حكومة اختارها “متطرفون” يرفعون السلاح، وقد ارتفعت مكانة بوتين في الداخل في ظل موجة من الاستياء بين القوميين بسبب محاولات للحد من استخدام اللغة الروسية في أوكرانيا واضطهاد الروس في بلد يرى كثيرون انه يمثل امتدادا لبلدهم.

كذلك فإن إصراره على التزام زعماء أوكرانيا الجدد ببنود اتفاق سياسي تم التوصل إليه بوساطة الاتحاد الأوروبي الشهر الماضي مع يانوكوفيتش يلقى قبولا حسنا، وهذا الشهر ارتفعت معدلات شعبيته إلى نحو 70 في المئة حسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة ليفادا المستقلة.

ما العمل؟

ومازال يتوقف على الغرب ما إذا كان بوتين سيتحرك أم لا، فمخاطر التدخل العسكري في أوكرانيا أكبر من الحرب التي خاضتها روسيا مع جورجيا عام 2008 وربما يشوه غزو جنوب شرق أوكرانيا صورة بوتين الذي أراد أن تظهر دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي الوجه الحديث لروسيا.

وإذا أرادت القوى الغربية أن تحاول معاقبة روسيا بفرض عقوبات عليها فسيتبع بوتين على الأرجح سياسة الرد بخطوات مماثلة، وسيلقى هذا استحسان أنصاره لكنه قد يمثل مجازفة بموقف رجال الأعمال الأثرياء الذين تدعم مؤازرتهم قبضة بوتين على السلطة.

وكتب البروفسور مارك جاليوتي من مركز جلوبال أفيرز بجامعة نيويورك في مدونته أن قرار طلب التفويض بإرسال القوات يبدو تهديدا هدفه حمل كييف والغرب على التوصل لاتفاق أكثر منه مقدمة لحرب، وأضاف “مع تشدد اللهجة تتحرك القوات رغم أن تصديق أن الحكمة ستسود في الكرملين أمر يزداد صعوبة”.

وفي لقطات تذكر بما كان يحدث أيام الحرب الباردة أعاد تلفزيون الدولة مرات عديدة بث لقطات من البرلمان يتهم فيها متحدثون واشنطن بتجاوز خط أحمر بتحذيرها من أن موسكو ستواجه “ثمن” تدخلها في أوكرانيا، وبث التلفزيون لقطات متتالية للمحتجين المؤيدين للروس يرفعون العلم الروسي فوق مبان إدارية في عدة مناطق بشرق أوكرانيا.

وانتشرت هذه المشاعر الوطنية. ففي مقابل كل واحد يتساءل عما إذا كان التدخل الروسي أسوأ شيء يمكن أن تفعله روسيا منذ سحقت المعارضة في تشيكوسلوفاكيا عام 1968 يوجد عشرات آخرون يقولون إن الغرب يعمل على نشر العنف.

والأحد وقف بضع مئات من المحتجين يرفعون لافتات كتب عليها “لا للحرب” قرب الميدان الأحمر ووزارة الدفاع في موسكو. واعتقلت الشرطة العشرات، لكن أعدادهم لا تضاهي من قريب أو بعيد الآلاف التي خرجت في مظاهرة تطالب “بالدفاع عن شعب أوكرانيا” في وسط موسكو.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث