قراءة عربية لصفقة ترامب ونتنياهو (الحلقة1).. نظام إقليمي جديد

قراءة عربية لصفقة ترامب ونتنياهو (الحلقة1).. نظام إقليمي جديد

في تحليلاتها للرسائل السياسية التي خرجت من المؤتمر الصحفي المشترك للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الأربعاء، اتفقت وجهات نظر عدد من السفراء العرب وأيضًا الصحفيين الذين حضروا المناسبة، أنه كان مؤتمرًا “مسلوقًا على نار الارتباك المتوتر” الذي كان يخضع له ترامب، والذي ظهر في لغته الجسدية و طبيعة إجاباته على القضايا الشرق أوسطية الرئيسة، ما أدى الى اختصار الاسئلة وترك الكثير منها عالقة.

فقد كانت “الصفقة” واضحة في موضوع الحل الفلسطيني، وهي أن الحل سواء بخيار الدولتين او الدولة الواحدة، يراد له بعد الآن ان يأتي ضمن  منظومة إقليمية جديدة تتضمن تفاهمات بين إسرائيل والدول العربية  مجتمعة، وهو الأمر الذي يعتبر خروجًا على العرف الأمريكي المتبع  طوال إدارات سابقة  معززًا بقرارات الأمم المتحدة .

مأزق استخباري

وفي الوقت الذي كانت تُجرى فيه ترتيبات اللقاء الرسمي الذي أراده ترامب ونتنياهو أن يأخذ طابع الأريحية الاجتماعية، بوجود الزوجتين وتعميم صور اللقاء “العائلي”، كانت الأجواء الإعلامية والسياسية وفي الكونغرس، تتدحرج سريعًا باتجاه “مأزق استخباري” جرى تطويق ترامب به، بالكشف عن تسجيلات تكاد تُدين الرئيس وثلاثة من مساعديه بتهم تتجاوز الكذب وتضليل الأمة، لتقارب حدود التجسس او على الأقل التضليل.

وفي مثل هذا الجو شديد التوتر، انعقد المؤتمر الصحفي لرجلين يشعران في داخل كل منهما أنهما يخضعان لتحقيقات بالفساد وأشياء أخرى، ويعرفان أن مستقبلهما السياسي مشوب بالشكوك، فنتنياهو لم يبارح التحقيق الداخلي معه بشبهات فساد، ولذلك لم يكن مستغربًا- وإن جاء مفاجئاً للكثيرين- أن المؤتمر لم يستغرق سوى 28 دقيقة (ابتدأ الساعة 12:15 ظهراً وانتهى 12.43)، ولم يتضمن سوى أربعة أسئلة، حيث قطعه ترامب عندما وُجّه له السؤال الأشد حرجًا عن “الاتصالات المتكررة” التي تبيّن أنه، ومساعديه، أجروها مع الروس من خلال ضباط استخبارات في جهاز “أف أس بي” الذي أنشأه الرئيس فلاديمير بوتين خلفًا للجهاز السابق  الكي جي بي.

من فلين إلى ماتفورت إلى شيف

صحيفة نيويورك تايمز، التي يعتبرها ترامب عدوًا رئيسًا له، والتي أعلن أكثر من محرر فيها أنها (الجريدة) ستنهي رئاسة ترامب قبل موعدها الدستوري، تابعت موضوع استقالة مستشار ترامب لشؤون الأمن القومي، مايكل فلين، وأضافت لها اليوم ما يجبر الكونغرس على استجواب الرئيس نفسه بتهم من الدرجة الأولى في الكذب والتضليل والتربح وربما التجسس.

مايكل فلين كان استقال بطلب من الرئيس، بتهمة وصفها بيان رسمي للبيت الأبيض أنها “خطأ تضليل نائب الرئيس”، حيث أجرى فلين اتصالات (لم يفصح عنها كفاية) مع السفير الروسي في واشنطن قبل أن يباشر رئيسه (ترامب) مهامه الدستورية.

من طرفه فقد أخطأ ترامب عندما اعتبر أن المشكلة في موضوع “فلين والروس”، ليست في الاتصالات “غير القانونية ” التي جرت بينهما حول موضوع العقوبات، خارج السياقات الرسمية، بل المشكلة في  الطرف الذي سرّب هذه المعلومات.

وكان ترامب في ذلك يؤجج حالة “عدم الثقة” المتبادلة بينه وبين أجهزة المخابرات والتحقيقات الفيدرالية، التي تبين أنها تمتلك تسجيلات وتفاصيل موثوقة ليس فقط للاتصالات الهاتفية الأربعة التي أجراها فلين مع السفير الروسي، بل أيضًا لاتصالات اثنين من كبار مساعديه في حملته الانتخابية مع ضباط مخابرات روس كبار اثناء الحملة الانتخابية، وأن هذه “الاتصالات المتكررة” تتضمن تفاصيل عن صفقات مالية بالملايين، ربما كانت تخص أيضًا ترامب نفسه الذي أعلن سابقًا أنه لا مصالح مالية لديه مع المؤسسات والشركات الروسية، فضلاً عن  أنه لم يفصح عن حساباته الضريبية كما هو مفترض.

معنى الاتصالات المتكررة

صحيفة نيويورك تايمز، وقبل ساعات من اجتماع ترامب نتنياهو، أشعلت مجتمع واشنطن بتقرير حاولت فيه ان تجيب عن السؤال الحساس: ما “معنى تعبير الاتصالات المتكررة” التي أجراها ترامب ومساعدوه مع ضباط المخابرات الروسية خلال العامين الماضيين، أثناء الحملة الانتخابية؟

 فتعبير “الاتصالات المتكررة” الذي جاء في بيانات المخابرات المركزية ومكتب التحقيقيات الفيدرالية، يرتقي بالشبهات إلى مستويات دستورية عليا توجب على الكونغرس إخضاع الرئيس ومساعديه للتحقيق تحت القسم، فيها شبهات بأن ترامب تعاون مع المخابرات الروسية على إسقاط هيلاري كلينتون، مرشحة الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية.

 ففي المعلومات التي نشرتها نيويورك تايمز أن المدير السابق لحملة ترامب الانتخابية، بول ماتفورت، جرى رصده على التلفون في اتصالات متكررة مع مسؤولين روس كبار (يُرجّح أنهم ضباط مخابرات) وأن ماتا فورت ضالع في صفقات بالملايين مع شركات روسية، كذلك لدى الأجهزة الأمريكية تسجيلات أخرى لأحد مساعدي إدارة حملة ترامب، وهو كارتر باج، تعزز في الشبهة وتستدعي التحقق والتحقيق.

صحيفة نيويورك تايمز، وهي تستخدم كل مهاراتها الاستقصائية في “ملاحقة ترامب” توسعت في شرح معنى “الاتصالات المتكررة” التي أجراها ترامب وفريقه مع الروس، متضمنة شبهات المصالح المالية، والتعاون للتدخل الخارجي في الحملة الانتخابية، وهي حيثيات لا تترك شكّاً بأن الموضوع أكبر من أن يمّر هكذا.

وأجرت الصحيفة اتصالات مع صحفيين روس متخصصين في شؤون المخابرات وعرضت تفاصيل كيف أن ضباط المخابرات منتشرون في مختلف المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، وأن طبيعة الاتصالات والمصالح التي يملكها ترامب ومساعدوه في الحملة الانتخابية تترك المجال واسعاً لشبهات فيها من التعاون أو التجسس ما يحتمل التأويل.

وأجرت التايمز حديثًا مع ماتفورت المدير السابق لحملة ترامب الانتخابية في ضوء التسجيلات الموثقة عن اتصالاته المتكررة مع الروس، وشبكة مصالحه وصفقاته المليونية مع موسكو.

كما توسعت التايمز وبقية الصحف الأمريكية الرئيسة في استنطاق اعضاء لجنة الاستخبارات في الكونغرس، وهم المعروفون باسم “عصابة الثمانية”، بخصوص التجهيزات التي بدأوا المباشرة فيها لإخضاع الرئيس ترامب للاستجواب تحت القسم.

كل ذلك، كان كافياً لأن يجعل مزاج الرئيس ترامب معكراً حتى التوتر، في لقائه مع نتنياهو، وهو ما انعكس بشكل واضح في المؤتمر الصحفي الذي وصفته مجلة ذي اتلنتك بأنه “لقطة سيريالية”.

هل  هذه القراءة  تفسّر  لماذا لم يستطع المؤتمر الصحفي “المسلوق ” أن يعرض بالوضوح المفترض،  لصفقة  النظام الاقليمي الجديد التي تم الاتفاق عليها  لتتولى فيها اسرائيل مع مجموعة الدول العربية (وليس فقط السلطة الفلسطينية) حل القضية بأي من خيار الدولتين او الدولة الواحدة، بدون أن يكون لواشنطن دورها التقليدي أو المفترض؟