الرئيس المصري القادم.. عدالة في مواجهة الفساد ووسطية ضد التطرف

الرئيس المصري القادم.. عدالة في مواجهة الفساد ووسطية ضد التطرف
المصدر: إرم - (خاص) من إميل أمين

ضمن أهم الوصايا التى يوصي بها الفيلسوف الصيني الأشهر “كونفوشيوس” أي حاكم وكل حاكم إن أراد النجاح في مهمته الأساسية، أي قيادة شعبه إلى بر الأمان، تأتي الوصية المتعلقة بـ “العدالة الاجتماعية”. وربما لم يستخدم كونفوشيوس المصطلح ذاته، والذي يرجع إلى الثورة الإنسانية في أوربا في القرون 16 و17، إلا أن كونفوشيوس يوصي بالقول :” لا تخف من أن يوجد الفقر في البلاد بصفة عامة، بل خاف من التفاوت الطبقي أن ينتشر بين الناس”… ماذا يعني ذلك؟ يعني أنه حال وجود مجتمع في ظروف واحدة متشابهة من العسر أو اليسر الاقتصادي فإنه لا مشكلة، لكن المشكلة الحقيقية هي في وجود طبقات متفاوتة بشكل كبير بني الناس فهذا ما يؤدي إلي قيام الثورات، واستمرار الفورات، وعدم سيادة الأمن أو الأمان.. هل كانت ثورات المصريين الأخيرة من هذا القبيل؟ بغض النظر عن المسمى في حد ذاته، إلا أن شعار العدالة الاجتماعية كان هو العنوان الأوسع والأكبر طوال الثمانية عشر يوما التى غيرت نظاما مصريا حكم مصر لمدة ثلاثين عاما ولهذا يرى بعض علماء الاجتماع السياسي أن المصريين الذين ثاروا مرتين، ممكن لهم أن يثوروا من جديد حال غابت العدالة الاجتماعية عن مستقبل أيامهم، وفي الطريق إلى ذلك هم على أتم استعداد للتنازل عن بعض من حرياتهم الخاصة، لكن في مقابل أن يتحقق لهم العدل الاجتماعي، ولهذا ينصح هؤلاء أي رئيس آت أن يضع الشأن الاجتماعي في رأس أولويات عهده.

والشاهد أن الرئيس القادم لن يقدر له تخليق نوع من أنواع العدالة الاجتماعية دون محاربة الفساد المستشري والذي انتشر بشدة في جنبات الدولة المصرية لاسيما في العقدين الأخيرين، وهنا فإن الجميع يتذكر الصيحة الشهيرة التى رئيس ديوان رئيس الجمهورية السابق الدكتور “زكريا عزمي” في مجلس الشعب بأن “الفساد وصل الركب” ومن عجائب الأقدار أن الرجل نفسه يحاكم الآن بتهم الفساد واستغلال النفوذ. أن مصر تحتل مرتبة متأخرة في منظمة الشافية رغم قيام ثورتين على الفساد والاستبداد، ولابد من المادة هيكلة المؤسسات التى تحارب الفساد، مثل مباحث الأموال العامة، وهيئة حماية المنافسة ومنع الاحتكار، ومصلحة الضرائب بالإضافة إلي تأهيل الكوادر البشرية العاملة في تلك المؤسسات وتدريبهم على أساليب مبتكرة ومتطورة مع تغليظ العقوبات وتفعيل القانون، لأن الفساد يجعل الجسم الاقتصادي المصري يتعفن، ولهذا لابد من محاربته للقضاء عليه.

الأمر الآخر الذي يتوجب أن يشغل بال الرئيس المصري القادم هو عودة الوسطية الدينية التي عرفت بها مصر طوال تاريخها وبخاصة، بعد أن علت أصوات التطرف والمتطرفين في أرجاء البلاد، حتى وأن كانوا قلة عددية، والمعروف تاريخيا أن مصر هي المعدة الحضارية التى تهضم كل ما ورد إليها وعليها من أديان ومذاهب، فمصر المسيحية ومصر الإسلامية ومصر التى عاش فيها اليهود، وقبل كل ذلك مصر الفرعونية، كانت دائما وأبدا هي مصر الوسطية، التي تنبذ العنف وترفض الغلو والتطرف، وتضفي مذاقها الخاص على الجميع، هذه الميزة الإنسانية تكاد تتبخر الآن في ظل رؤى وقناعات مغرقة في الغلو والتطرف، وفي سياق التلاعب بالمقدس الديني لمصلحة المدنس السياسي، أو بعبارة أقل حدة، المطلق الديني في مواجهة النسبي السياسي .

وفي هذا فإن المسؤولين لا تقع على عاتق جهاز واحد أو وزارة واحدة أو على كاهل رئيس الجمهورية بمفرده، إنها مسؤولية مجتمعية تبدأ بالأطفال في المؤسسات التعليمية وصولا إلي الجامعات، وتمضي من وزارة الأعلام حيث الصحافة والإذاعة والتلفزيون، إلي وزارة الثقافة حيثما المسرح والسينما وقصور الثقافة، وكذلك تبدأ عند الأزهر الشريف مناورة الإسلام الوسط المتسامح ووزارة الأوقاف وصولا إلي عتبات الكنيسة القبطية بأدوارها الوطنية عبر التاريخ في خدمة مصر. استرداد الوسطية المصرية مسألة مشروع قومي في حاجة إلى تنادي جميع المصريين لإعادة أهم ما كان يميز مصر في ستينات القرن المنصرم، قوتها الناعمة، عبر سياسييها ومفكريها، فنانيها ومثقفيها.. هذه هي بعض من التحديات التى تواجه الرئيس القادم، ويبقي غيرها الخارجي الكثير جدا، وبدون ذكاء فائق الحدود، فإن أي رئيس مهما بلغت عظمته الفكرية وأدواته السياسية لن يتمكن بحال من الأحوال بمفرده من القيام بنهضة مصر دون عون المصريين، فالقضايا المصيرية تبدأ من الطرح الذاتي وليس من عند الآخرين.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث