التهريب والإرهاب يلتحمان على حدود تونس والجزائر

التهريب والإرهاب يلتحمان على حدود تونس والجزائر

تونس – جاء مقتل ضابط الحرس الوطني التونسي، بجبل درناية، بالقرب من منطقة بوشبكة الحدودية مع الجزائر (غرب تونس) في مواجهات مع عناصر مسلحة اتخذت من الجبل مكان للاختباء والتدريب، 10 كانون الأول/ ديسمبر 2012، ليفتح الباب عن تورط العديد من الأشخاص في تقديم الدعم لهذه المجموعات.

وكشفت التحقيقات التي قامت بها الوحدات الأمنية عن تورط عديد الأشخاص في تموين وتوفير الدعم لهذه المجموعات ومثلت العملية نقطة الانطلاق في المواجهة بين قوات الجيش والأمن التونسيين والمجموعات الإرهابية التي تمركزت بالمرتفعات وخاصة جبل الشعانبي، أعلى قمة بالبلاد التونسية، وتحولت العملية إلى “حرب على الإرهاب”، بعد مقتل 8 جنود تونسيين في كمين نصبته مجموعة مسلحة بجبل الشعانبي في تموز/ يوليو الماضي .

وفيما تعالت في تونس الأصوات المحذرة من علاقة ما بين الإرهاب والتهريب يبدو أن الإمساك بالخيط الرفيع الرابط بين الظاهرة القديمة (التهريب) والطارئ الجديد على المنطقة، الإرهاب، أمر صعب المنال اليوم، في انتظار ما قد تكشف عنه التحقيقات في الأيام القادمة .

وفي جولة ميدانية بالمنطقة الحدودية بين تونس والجزائر، والمعروفة بممارسة قطاع كبير من سكانها لنشاط التهريب، تلاحظ حركة ونشاط كبيرين للمهربين، ووجود تنوع في البضائع المهربة، فمدن مثل فريانة وتلابت وقرى مثل بوشبكة وبودرياس تعد معقلا من معاقل التهريب بولاية القصرين (محافظة غرب البلاد التونسية(.

أحد المشتغلين بالتهريب من بوشبكة- رفض الإدلاء باسمه لدواع أمنية- تحدث عن نفسه وعن أهالي بوشبكة، قائلا: “التهريب مهنتنا ومورد رزقنا وهو ليس جريمة ولسنا خارجين عن القانون”، حسب رأيه.

وأضاف: “ظاهرة التهريب، في هذه المنطقة، تختلف عما تصوره وتنقله وسائل الإعلام، فهم يصفوننا بالمجرمين الذين يقتاتون بطريقة غير قانونية، لكن شخصيا أرى أن من يدفع عربة كحًمال (ناقل البضائع) يغافل أعوان الديوانة (الجمارك) ليوصل القليل من البضائع الخفيفة الوزن- الملابس الجاهزة أو الأحذية أو العطور أو غيرها- لفائدة أحد المنتفعين من الجانب الآخر، ليس مهربا ولا مجرما بل يسعى وراء رزق لا يكفي لسد قوته”.

وتابع: “كل من يقطن المنطقة ويمارس التهريب معروف لدى الأمن .. عموما لقد بدأ التضييق والاتجاه نحو محاصرة التهريب”.

وعن دور المهربين في تمويل الإرهاب وتهريب السلاح وحتى الأشخاص، قال المشتغل بالتهريب: “بعد ثورة كانون الثاني/ يناير 2011، ولفترة طويلة، تدفق العديد من الأشخاص على الحدود من كل مناطق محافظة القصرين وحتى المحافظات الأخرى وازداد الطلب على السلع المهربة، كما استغل الكثيرون حالة الانفلات الأمني لتهريب السلاح”، غير أنه أكد على أنه لا يعرف أحدا من المهربين المعروفين تورطهم- من قريب أو من بعيد- في دعم المجموعات الإرهابية في جبل الشعانبي أو مدهم وتزويدهم بالسلاح.

“بودرياس”.. قرية على الحدود الجزائرية التونسية، تقع ضمن محافظة القصرين، يعيش غالبية ساكنيها على التهريب.

أحمد أحد سكان القرية يعمل كلما سمحت له الفرصة في تهريب البضائع، وخاصة المحروقات في الاتجاه من الجزائر إلى تونس، قال إن “التهريب متواصل عبر الحدود، والمواد المهربة تتمثل في الفولاذ والمحروقات من الجزائر إلى تونس، كما أنه يتم تهريب المواد الغذائية، بجميع أنواعها، من تونس نحو الجزائر”.

وأضاف أنه “من حين لآخر، نسمع بالقبض على شخص بسبب المخدرات وحتى تهريب السلاح، قد يحدث، وجائز في حالات عدة”، معللا ذلك “أن امتداد المناطق الحدودية وخلاء بعض المناطق يمثل فرصة للمهربين بالتستر (الاختفاء)، وتأمين بضائعهم، وإن كانت سلاحا”.

على طول الطريق الرابط بين بودرياس وبوشبكة تلحظ الطرق التي تشق جبل الشعانبي، يستعمل الأهالي بعضها للتنقل اليومي، والبعض الآخر يمثل ملاذا للمهربين للإفلات من الدوريات الأمنية، حيث توفر التضاريس وكثافة الغابات غطاءا لهذه العمليات المشبوهة.

كما يمكنك أن تلاحظ البناءات في بعض المناطق وعلى بعد عشرات الأمتار من الحدود، حيث توجد مستودعات كبرى لتخزين البضائع.

ويتساءل كثيرون عن جدوى هذه البناءات التي تختلف عن نمط البناء السائد بالأرياف، وهو ما يعتبره، أحد الموظفين دليلا على ممارسة تجارة غير شرعية، ملمحا إلى تجارة مخدرات أو سلاح أو عملة.

وقال الموظف الذي رفض الكشف عن هويته: “لا أصدق مقولة إن المهربين أبرياء، من يستحل التجارة في الخمور يتاجر حتى في الدماء”، حسب قوله.

وأضاف أن “همّ المهرب الحصول على المال، من أين يأتي لا يهم، التهريب والإرهاب وجهان لجريمة واحدة هي النيل من نمط حياتنا”.

يؤيد جزء كبير ممن ذكروا شهادتهم فكرة ظهور أثرياء جدد بعد الثورة، فهم يقولون “لا يمكن أن يكون ذلك من خلال تهريب الفولاذ أو المحروقات”، ويدللون على ذلك بأن من “يكتفي بتهريب هذه المواد بالكاد يحقق ما يكفيه”.

وكشف مصدر أمني أن العلاقة بين ظاهرة التهريب والإرهاب ثابتة بمقتضى التحقيقات والتقارير الأمنية.

وأكد: “لا يمكن الفصل بين الظاهرتين فهما يمثلان الجريمة المنظمة وتضم تجارة المخدرات، والسلاح، وتبيض الأموال وقد عملت الجماعات الإرهابية في الشعانبي أو غيرها من المناطق على استقطاب المجرمين المطلوبين للعدالة في قضايا مخدرات، ومجموعة من صغار السن الذين يسهل التغرير بهم دون أن يعلموا مع من يتعاملون” حسب قوله.

وأضاف أن “الفراغ الأمني إبان الثورة ثم ما تلاه من أحداث ساهما في نشاط التجارة والتهريب، وعلى الأقل منذ نوفمبر/ تشرين الأول 2011 توفرت معلومات أمنية مفادها نشاط حركة تهريب السلاح عبر الحدود الجزائرية”.

وتابع: “الخطة الأمنية جاهزة وتطبق، ولكن الحل الأمني ليس كاف، فلابد من اتخاذ إجراءات لتنمية المناطق الحدودية، لقد استغلت الجماعات الإرهابية الفقر والحاجة لاستقطاب من يدعموهم”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث