صراعات الحوار اليمني تهدد بفشل المرحلة الانتقالية

صراعات الحوار اليمني تهدد بفشل المرحلة الانتقالية

القاهرة- في تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، وقّعت الأطراف اليمنية المتصارعة مبادرة دولية لقيادة البلاد نحو الخروج من أزمتها، جاء لاحقاً ما يعرف باسم مبادرة الخليج (مشروع اتفاقية سياسية أعلنتها دول الخليج في 3 نيسان/ أبريل 2011 بعد ثورة الشباب اليمني على النظام اليمني، ونقل السلطة في البلاد، حيث انتهت الجهود بانتخابات رئاسية جديدة في شباط/ فبراير 2012)، التي تم اعتمادها من قبل مجلس التعاون الخليجي باستثناء قطر التي انسحبت من المشروع بسبب رفض الرئيس السابق علي عبد الله صالح مشاركة الدوحة في اللقاءات أو وضع خارطة الطريق الجديدة.

كان الجميع متفائل بأن هذه المبادرة سوف تجنب البلاد حرباً أهلية، حيث بدأت الأطراف المعنية على تنفيذ بنود المبادرة، منها مرر البرلمان اليمني قانون منح الحصانة للرئيس السابق ونظامه من أي مساءلة أو ملاحقة قضائية، على خلفية القرارات التي اتخذت خلال فترة حكمه، ثم تم شُكّلت حكومة توافق وطني، في حين تم تجاهل المشاكل الوطنية الأخرى.

د. ناثان براون أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورج واشنطن قال: “إن اليمن تمر بحالة عدم استقرار سياسي نتيجة تصارع جميع الأطراف المعينة على السلطة، حيث كان انتخاب الرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي للعرض فقط وتهدأة الشباب اليمني الثائر وقتها، ولم يكن هناك أي منافسين ضد الرجل، وفور توليه رسمياً مقاليد الحكم، بدأت مرحلة محورية في التحول السياسي، حيث أقال عدداً من كبار القادة في الجيش الموالين للرئيس السابق عبد الله صالح وعيّن قيادات جديدة”.

ووضح براون أن القوى السياسية أيدت كلها تقريباً المبادرة الخليجية وتصعيد منصور للسلطة، أملاً في حل المشاكل الوطنية كما كان متوقعاً، لكن في نهاية المطاف أصبح الرجل عاجزاً عن سلطة اتخاذ القرار، أو على الأقل ليس له قدرة على فرض رأيه على أرض الواقع إلا من خلال وسيلتين، أولاً: من خلال التدخل الدولي، ثانياً: من خلال الاشتباك المسلح مع القوى المسلحة وفرض القرار بالقوة.

ويبيّن أنّ هذا الانطباع تلاشى عندما أقال هادي عدد من قيادات رؤساء الجيش الموالين للرئيس السابق، خاصةً وأن الجيش اليمني كان على رأسه أقارب عبد الله صالح سواء في الحرس الجمهوري أو غيرها من الوحدات الرئيسية، واستطاع الرجل إقالتهم من وظائفهم بدعم شعبي، وتم توزيع وحدات الجيش اليمني على أساس مختلف، لكن الانقسام لم ينته تماماً داخل المؤسسة العسكرية، لافتاً إلى أن تعميق الانقسام السياسي في اليمن لا بد أن يقابله فرض عقوبات على القوى الرافضة للتسوية السياسية الناشئة في البلاد، حيث بات من المؤكد أن هناك قوى تقف وراء إعاقة استكمال مؤتمر الحوار الوطني، وتصعيد مظاهر الانفلات الأمني لإرباك الخريطة السياسية وفشل المبادرة الخليجية، التي تحظى بدعم إقليمي ودولي قوي.

في حين أوضح د. إبراهيم كروان أستاذ العلوم السياسية المشارك بجامعة يوتاه الأمريكية، أن جهود عقد حوار وطني في اليمن كانت آلية واضحة وضعتها المبادرة الخليجية لمحاولة خروج اليمن من تعقيدات مشاكلها المترابطة، ومع أن دول الربيع العربي تواجه اختراعاً غامضاً يسمى “حوار وطني شامل”، حيث تجلس أطراف الصراع على الطاولة لمناقشة مشاكل البلد وإيجاد حلول تراها مناسبة، بات أمراً سلبياً، خاصةً وأنه لن تستطيع إرضاء جميع الأطراف، خاصةً وأن الجميع لا يقدم تنازلات سياسية، ويسعون إلى أغراض سياسية بحتة، وهو ما ينطبق تماماَ على اليمن التي باتت تواجه معضلات أكبر من النظام القائم، وبالتالي هناك خطورة من إفشال المرحلة الانتقالية هناك، والتي ستؤدي إلى تقسيم البلاد لا محالة.

ورغم أن عملية الانتقال السياسي مهددة في اليمن كونها البلد الوحيد من دول الربيع العربي الذي تم التوصل فيه إلى حل تفاوضي لانتقال السلطة، إلا أنها تواجه انسداداً سياسياً في أفق الحوار الوطني، لافتاً إلى أن الحوار الوطني في اليمن مهدد بالفشل خاصةً مع اقتراب المرحلة الانتقالية، حيث أن الاتفاق السياسي الذي رعته دول مجلس التعاون الخليجي، سمح بانتخاب عبد ربه منصور هادي رئيساً توافقياً للجمهورية في شباط/ فبراير 2012 لولاية انتقالية لمدة سنتين، كان من المفترض خلالها إنجاز حوار وطني يسفر عن دستور جديد للبلاد وعن انتخابات تشريعية ورئاسية، إلا أنه بات مؤكداً أنه لن يكون بالإمكان الالتزام بالإطار الزمني الذي حدده اتفاق انتقال السلطة، والذي ينص على انتهاء المرحلة الانتقالية في 14 شباط/ فبراير2014، خصوصاً مع وصول الحوار الوطني إلى حائط مسدود بسبب القضية الجنوبية الشائكة.

ومن جانبه أشار د. محمد السعيد إدريس رئيس وحدة الشئون العربية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إلى أنه بعد أن اتفق المتحاورون على إقامة دولة اتحادية، إلا أنهم لم يصلوا إلى توافق حول مسألة عدد الأقاليم، حيث يصر الجنوبيون المشاركون في الحوار على دولة اتحادية من إقليمين، تستعيد من حيث الشكل حدود دولتي اليمن الشمالي والجنوبي السابقتين اللتين توحدتا عام 1990.

في المقابل يطالب حزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح والتجمع اليمني للإصلاح بدولة من ستة أقاليم، وبدلاً من أن يكون الحوار حول المشاكل الأساسية التي تحتاج إلى إجماع من الأطراف، تم توسيع نطاقه ليشمل النقاش حول ما يحمله المستقبل، وهو ما يبدو أنها مسألة ستظل نقطة خلاف قائمة من المشاركين في الحوار، مؤكداً أنه من وقت لآخر تزداد الخلافات بين القوى السياسية بما يؤثر على سير البلاد نحو إقامة حياة كريمة للمواطن، وبالتالي فهي عبء إضافي على حياة المواطنين، الذين لديهم بالفعل ما يكفي من المشاكل، وبالتالي زادت هذه المشاكل القائمة بالفعل في الحوار، مع ظهور أصوات كثيرة ووجوه جديدة في الحياة العامة ووسائل الإعلام.

ويبدو أن فرصة الحوار الوطني الذي كان يأمل فيه اليمنيون حل مشاكلهم الخاصة، تُحول الحوار إلى مشكلة في حد ذاته، وهنا تقف التخوّفات من إمكانية فشل المرحلة الانتقالية تخلف وراءها إشعال حرب أهلية.

أما د. علي الصاوي أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة فيرى، أنه بعد توزيع واجبات مؤتمر الحوار الوطني، فقد أصبح من المعتاد أن نسمع عن التوصل إلى حلول سريعة لبعض المشاكل التي تنتهي إلى حل سريع في المقام الأول، أو ما كانت على الأقل جزءاً من أولويات الحوار، مثل نظام الحصص للمرأة، كيفية الحفاظ على التراث التقليدي، أو المادة الدستورية عن مصدر التشريع في البلاد، لكن فور أن بدأ الحديث عن المشاكل الحقيقية مثل جذور القضية الجنوبية، والتي هي أم كل القضايا، شهدت بعض المقترحات حول كيفية حلها، بعضها تم تنفيذه والبعض الآخر في طور التنفيذ، لكن ثمار هذه المسألة في شكلها النهائي، لم تتحول إلى أن تكون وصفة سياسية واضحة ومتفق عليها مع الجميع، وتظل حلولها مجرد مقترحات متضاربة.

وفي رأي د. حازم حسني أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن العدالة الانتقالية تبقى واحدة من أهم نقاط الخلاف داخل الحوار الوطني اليمني، وعلى مدى العامين الماضيين، لم يتفق الجميع على نص لقانون العدالة الانتقالية، خاصةً وأن القانون يمثل واحداً من الدعائم التي تقوم عليها مبادرة الخليج، بجانب قانون الحصانة الممنوحة للرئيس السابق ونظامه، مؤكداً أن إلغاء قانون الحصانة يعطي الشعب اليمني فرصة ذهبية للتخلص من الالتزامات التي تفرضها المبادرة الخليجية، خاصةً وأنه إذا ظل حزب المؤتمر الشعبي العام الذي يقوده الرئيس السابق في العملية السياسية فإنه سيعرقل حتماً الجهود الرامية للإصلاح أو تطبيق العدالة الانتقالية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث