معركة القلمون.. بوابة حسم الصراع في سوريا قبل جنيف 2

معركة القلمون.. بوابة حسم الصراع في سوريا قبل جنيف 2

القاهرة – في الأشهر الأخيرة بدأت معركة استراتيجية كبرى على جبال القلمون، (سلسلة جبال في غرب سوريا تمتد إلى الشمال من العاصمة دمشق وبالقرب من الحدود مع لبنان) ويحاول الجيش السوري الفوز بالمعركة لتأمين الطريق الدولي الذي يربط دمشق مع محافظة حمص، بهدف قطع خط إمداد المتمردين بالمال والسلاح من لبنان المجاورة.

وحصد النظام السوري في الآونة الأخيرة مكاسب كبيرة ضد المعارضة العسكرية في هذه المعركة الفاصلة لمنع الدعم الخارجي للمعارضة، كما أنه يحاول السيطرة على الحدود اللبنانية من خلال عملية القلمون، وبالتوازي مع هذه العملية فإن الصراعات المسلحة الثقيلة مازالت تجري في جميع أنحاء حلب، وقد شن النظام عملية بمعاونة حزب الله اللبناني في جبال القلمون.

هدفان مهمان للنظام في عملية القلمون

د. مصطفى اللباد مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والاستراتيجية بالقاهرة قال، إن عملية القلمون نفذت لهدفين، أولاً: السيطرة على الشريط الحدودي بين سوريا ولبنان وبالتالي خفض الدعم اللوجستي للمعارضة العسكرية في سوريا، كون هذه المنطقة واحدة من نقاط الدخول الرئيسية لقوات المعارضة السورية، وفي حال نجحت قوات النظام في الاستيلاء على كامل المنطقة فإن الدعم المقدم إلى المعارضة المسلحة سيكون محدوداً.

ثانياً: ربط دمشق وحمص ببعضها البعض، وقد تم بالفعل اتخاذ خطوة رئيسية لتحقيق هذه الغاية من خلال عملية القصير، وإذا فقدت المعارضة السيطرة على منطقة القلمون، فإن قوات النظام سيكون لها الكلمة العليا على الممر بين دمشق حمص.
وأشار أن التقارير تؤكد أن الجيش السوري يسير بخطى ثابتة في هذه المعركة الحيوية قبل جنيف 2، لوضع شروطه على المعارضة على طاولة المفاوضات، كونه خرج من معركة استراتيجية منتصراً، وبالتالي فإن السيطرة على جبال القلمون ستكون ميزة للنظام في محافظات طرطوس واللاذقية المسيطر عليهما بالفعل.
وعلاوة على ذلك، سيتم قطع الاتصال بين جماعات المعارضة في شرق دمشق والمناطق الريفية، بالإضافة إلى أن عملية القلمون ستكون آخر ما تبقى من المناطق التي يسيطر عليها المعارضة المسلحة على الشريط الحدودي مع لبنان، وفي هذه الحالة فإن النظام السوري لديه الفرصة لتولي السيطرة على دمشق وحلب، وبالتالي سيكون الهدف القادم محاولة السيطرة على الحدود التركية.

الائتلاف السوري قد يتراجع عن جنيف

ومن جانبه أوضح د. عز الدين شكري أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، أن النظام السوري يعتبر مسيطراً على جميع مراكز المدن الكبرى باستثناء الرقة ودير الزور، ومع ذلك فقد السيطرة على بعض القواعد العسكرية الاستراتيجية في المحافظات التي تقع فيها المدن المذكورة، بالإضافة إلى فقدان السيطرة على جميع المناطق الريفية.

فضلاً عن أن مناطق المعارضة يوجد بها الكثير من الصراعات الداخلية بين تنظيم القاعدة دولة العراق والشام الإسلامية، والجيش السوري الحر، وهناك حقيقة أخرى وهي أن مجموعة الميليشيات الكردية تتقدم في شمال سوريا واستطاعت السيطرةعلى المناطق الكردية الثلاثية (الجزيرة وكوباني وعفرين)، وتسعى إلى انفصال هذه المناطق الثلاث، ونشر الصراع في مناطق مأهولة بالسكان مع العرب والتركمان تحقيقاً لهذه الغاية.
ولفت إلى أن النظام السوري يحاول ربح معركة القلمون لتفنيد مزاعم انفصال الدولة وفرض سيطرته من جديد، نظراً لأنه في حال ربحت المعارضة المسلحة هذه المعركة فإن الانقسام سيكون مصير الدولة السورية بلا جدال، وطالما ظل النظام يحصد مكاسب عسكرية في ميدان القتال فإن الائتلاف الوطني السوري سيرفض الجلوس على طاولة التفاوض في مثل هذا الموقف الضعيف وقت مؤتمر جنيف الثاني الذي سيعقد العام المقبل، نظراً لأن النظام سيكون حريصاً على عدم تقديم تنازلات للمعارضة بسبب تفوقه العسكري على المعارضة.
ورغم أن الأسد يرى أن عملية جنيف مجرد مضيعة للوقت، كونه يعتقد أنه يمكن قمع المعارضة إلى حد كبير إذا ما استمرت العمليات العسكرية من هذا القبيل، إلا أنه يريد إظهار تأييده للمساعي الدولية لحل الأزمة بطريقة سياسية.

قواعد اللعبة تتغير لصالح النظام

في حين أكد د. محمد السعيد إدريس رئيس وحدة العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أنه خلال تقدم قوات الأسد في الأشهر الأخيرة من معركة القلمون، وأثناء محاولتها تأمين الطريق السريع الذي يربط دمشق إلى معقل الساحلية من طائفته الأقلية العلوية، لكنها واجهت انتكاسة الأسبوع الماضي عندما خسر بلدة دير عطية ضد مقاتلي المعارضة المسلحة.

وتقع البلدة في منطقة القلمون الجبلية المطلة على الطريق السريع بالقرب من الحدود اللبنانية، وهي المنطقة التي برزت خلال الأيام القليلة باعتبارها ساحة المعركة الرئيسية بين قوات الأسد ومعارضيه في محاولة لتأمين ميزة استراتيجية قبل انعقاد مؤتمر جنيف2 العام المقبل.
ومع ذلك هناك ارتباك حاصل بين قوات المعارضة بعد أن فقدت الكثير من البلدات أثناء معارك جبال القلمون، ويحاول جنود الأسد استعادة السيطرة على هذه المنطقة الاستراتيجية في الصراع السوري لإحداث تفوق عسكري على المعارضة المسلحة وإغلاق مناطق الدعم العسكري والمالي للمتمردين.
وأوضح أن الصراع في سوريا راح ضحيته أكثر من مائة ألف مواطن، كما دمرت البنية التحتية للبلاد، وتسبب في نزوح الملايين من الناس إلى دول الجوار، كما امتد العداء حتى تحول إلى صراع طائفي بين السنة والشيعة، مما جذب الآلاف من المقاتلين من مختلف أنحاء الشرق الأوسط وخارجه للقتال على كلا الجانبين في سوريا، وبالتالي فإن هذه المعركة ستحدد مصير جنيف 2.
ومن الإنصاف أن نقول إن كلا الجانبين في النزاع ليسوا مهتمين بالتوصل إلى حل سياسي، ونظام الرئيس بشار الأسد يريد الذهاب إلى جنيف بزهوة المنتصر، وتجاوز العديد من الهزائم العسكرية في أجزاء مختلفة من البلاد على أيدي المعارضة المسلحة، ورغم تصدع الجيش السوري وإرهاقه في حرب لمدة ثلاث سنوات من القتال، إلا أن القوة الجوية لا تزال نشطة وتتعامل بضربات موجعة ضد مقاتلي المعارضة.
وأشار إلى أن الأهم من ذلك أن الأسد قد عزز موقفه السياسي في أعقاب قبوله تفكيك مخبأ أسلحته الكيميائية لتجنب ضربة عسكرية غربية، ورغم أن النظام يعلم أن هذه الضربة لم تعد خياراً مطروحاً، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا عملا سوياً على خطة لمتابعة حل سياسي، والأهم من ذلك أن مصير الرئيس الأسد أو فرض شروط على مستقبل المرحلة الانتقالية المقترحة لم يعد على الطاولة، وعلاوة على ذلك فإن الصفقة التي اعتمدت مؤخراً بشأن البرنامج النووي الإيراني مع الغرب بمثابة دعم إضافي من الناحية السياسية واللوجستية للأسد، حتى أصبحت قواعد تغيير اللعبة في الصراع الدموي السوري تسير بشكل أفضل مع النظام.

القلمون ليس الهدف الاستراتيجي الوحيد

وفي رأي د. جمال سلامة رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة قناة السويس، أنه حتى عقد جنيف 2، تركز كل العيون على ثلاث جبهات القتال في سوريا، (القلمون، درعا وحلب)، كل جانب يريد الذهاب إلى مؤتمر السلام مع العديد من بطاقات الفوز الممكنة، فمن غير المعقول أن يكون الحل السياسي في يناير من العام المقبل قائماً إذا ظلت الفجوة التي تفصل الجانبين ضخمة جداً لتغطية أي مبادرة.

ولذلك فإن موقف الرئيس الأسد أصبح أقوى بفضل دعم حلفائه الروس والإيرانيين المتواصل، بينما المعارضة مجزأة ومصابة بخيبة أمل بعد تقدم قوات الجيش النظامي في المناطق المسيطرة ومن المستحيل أن تعود عقارب الساعة إلى الوراء مجدداً بعد أن ربح الأسد الكثير من المكاسب العسكرية في الفترة الماضية.
موضحاً أن جيش الأسد كان سينهار لولا دعم حزب الله والميليشيات الشيعية العراقية، وعلاوة على ذلك فإن الجميع يعرف الدور الذي يلعبه الحرس الثوري الإيراني في الصراع السوري، وبالتالي لا يملك الفصل فيما يتعلق بنشر الآلاف من شباب الشيعة في أعماق سوريا للذود والدفاع عن الأسد، وبين آخر التطورات التي تشير إلى مكسب جديد يلوح في الأفق مع أبعاد استراتيجية مهمة على طول الحدود الشرقية للبنان مع سوريا في معركة القلمون، حيث عهد لهذه المعركة الهامة استراتيجياً قوات من حزب الله اللبناني وميليشيات عراقية وأعضاء من الحرس الثوري.
واشار إلى أن القلمون مثل جبهات القتال الأخرى في جميع أنحاء سوريا، تقع تحت الجماعات السلفية ومنتسبي القاعدة، حيث ضمن هذا المكان الاستراتيجي تعدد مصالح وأولويات جهات النزاع المسلح داخل سوريا، لكن ظهرت تكهنات من عملية حزب الله والنظام السوري للسيطرة على القلمون بعد الانتصار في معركة القصير، وفي الوقت الذي يشن فيه نظام الأسد غارات على جبال القملون يحاول شن هجوم واسع لإعادة فتح طرق الإمداد في جنوب حلب، ولذلك يبدو أن معركة القلمون ليست الهدف الاستراتيجي الأساسي للنظام.

المصدر: وكالة الصحافة العربية

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث